لندن: محمد الطّورة
إلى كل مسؤولٍ يتخذ من القلم امتدادًا لوظيفته، فيسخّره لكتابة مقالات تُغرق بعض رموز الوطن بفيضٍ من الإطراء: لستَ مطالبًا بالصمت، ولكنك مطالبٌ بالصدق. فالكلمة التي تُكتب بدافع المجاملة لا تُضيف قيمة، بل تُفقدها، والعبارات التي تتجاوز حدود الواقع لا ترفع من شأن الممدوح، بل تُوقعه في دائرة الشك.
إن المبالغة في الثناء، إلى حدٍّ لا يصدّقه حتى من يُوجَّه إليه، لا تُحسب إنصافًا، بل تُقرأ بوصفها تكلّفًا يسيء إلى الكاتب قبل غيره. فالمناصب لا تحتاج إلى تزويق، والرموز الحقيقية لا تُصنع بالكلمات، بل تُثبتها الأفعال. وبين التقدير الصادق والإطراء المصطنع، يبقى الفارق واضحًا لمن يكتب… ولمن يقرأ.
وإذا كانت أبواب وسائل الإعلام الرسمية تُفتح لبعض المسؤولين، فإن الأجدر أن تُستثمر هذه المساحة في ما هو أعمق أثرًا وأبقى نفعًا؛ في ترسيخ السردية الوطنية، وتوضيح معنى المواطنة بمضامينها الحقيقية، لا في استهلاكها في خطابات المديح العابر. ولعل من اللافت أن هذا الطرح، على أهميته، كان قد دعا إليه أحد الإعلاميين الأردنيين المقيمين في بلاد الاغتراب، دون أن تتاح له فرصة طرحه كما ينبغي لاعتبارات خاصة. وهو ما يعزز الحاجة إلى أن يتقدم من يملك المنبر ليتناول هذه القضايا الجوهرية التي تتجاوز في قيمتها كل أشكال الإطراء والمجاملة.
ففي زمنٍ تتسارع فيه الكلمة، لم يعد المديح مجرد تعبير عن التقدير، بل تحول—في كثير من الأحيان—إلى وسيلة تُستخدم خارج سياقها، فتفقد معناها وتبتعد عن الحقيقة.
لا أعارض المديح في أصله، بل أراه مقبولًا ومشروعًا حين يكون نابعًا من تجربة حقيقية ومعرفة مباشرة، كأن يكتب شخص عن صديق عمل معه عن قرب، خاصة بعد انتهاء العلاقة الوظيفية بينهما، فيستحضر ما لمسه من أخلاق أو كفاءة أو مواقف. فهذا النوع من الكتابة يبقى في إطار التقدير الإنساني الصادق.
غير أن الإشكال يبدأ عندما يتحول المديح إلى أداة بيد بعض الموظفين الرسميين، خصوصًا في المجال الإعلامي، لترويج أشخاص بعينهم، أو حين يطال أصحاب المناصب مهما علت مكانتهم، بما يغذي الغرور ويصنع صورة لا تعكس الواقع.
المشكلة ليست في الإشادة، بل في المبالغة التي تفقدها قيمتها، بل وقد تسيء إلى الممدوح نفسه. فالقارئ اليوم أكثر وعيًا، ويميز بسهولة بين التقدير الصادق والتزلف المصطنع. إن قيمة المقال لا تُقاس بكمّ المديح، بل بصدقه واتزانه.
ومن المفارقات اللافتة أن بعض من يفرطون في المديح اليوم، لا يلبثون أن ينقلبوا إلى أشد المنتقدين غدًا، ما إن يغادر الممدوح موقعه أو يفقد نفوذه. وهو تحول يكشف أن كثيرًا من ذلك المديح لم يكن تعبيرًا عن قناعة، بل موقفًا مؤقتًا تحكمه المصالح لا المبادئ.
ولعل من الأمثلة الدالة على ذلك ما يُستشهد به أحيانًا من كتابات بعض المسؤولين بحق شخصيات بارزة، حين تُنسب إليها عبارات من قبيل سبقها لغيرها في تشخيص الأوضاع العالمية أو استشراف مساراتها. غير أن الإشكال لا يقف عند حدود المبالغة، بل يتجاوزها إلى لجوء البعض إلى استعارة أقوال أو أفكار وإقحامها في النص خارج سياقها ومقاصدها الأصلية، بقصد تعزيز صورة الممدوح. وهنا يفقد الاقتباس قيمته المعرفية، ويتحول من أداة إيضاح إلى وسيلة تزيين، بما يضعف الحجة ويثير تساؤلات مشروعة حول دقة الطرح وموضوعيته.
فعلى سبيل المثال، قد تُقتطع جملة قيلت في سياق نقدي أو تحليلي عام، ثم تُعاد صياغتها أو توظيفها بما يوحي بأنها شهادة تفوق أو تميّز لشخص بعينه، في حين أن معناها الأصلي لم يكن كذلك. هذا النوع من الانتزاع يُربك القارئ ويشوّه الفكرة بدل أن يوضحها. فالكلمة المسؤولة تعزز الثقة، أما المديح الزائف فيُضعفها.
وفي النهاية، يبقى القلم أمانة؛ إما أن يكون صوتًا للحقيقة، أو يتحول إلى أداة تفقد احترام القارئ قبل أي شيء آخر.
وبهذا يتضح أن المديح حين يستند إلى تجربة صادقة ومعرفة مباشرة، فإنه يظل تعبيرًا مشروعًا عن التقدير، بل شهادة تُحترم وتُقدَّر. أما حين يُنتزع من سياقه ويُسخَّر لغير غايته، فإنه لا يرفع من شأن أحد، بل ينتقص من قيمة الكلمة ويُسقط هيبة القلم.
فالمديح الصادق يبقى أثرًا طيبًا، أما المديح الزائف فلا يترك إلا شكًا في النفوس وتساؤلًا في العقول.
يبقى الصدق روح الكلمة… وما سواه صدىً عابر.

