لندن: محمد الطّورة
الاحتواء خيار الدولة العاقلة لا الشيطنة
في زمنٍ تتسارع فيه الأحكام، ويُستسهل فيه الإقصاء، يبرز الاحتواء بوصفه نهج الدول الواثقة بنفسها، لا خيار الدول المرتبكة. وقد ضرب جلالة الملك عبدالله الثاني مثالًا متقدمًا بين رجال الحكم، حين وجّه مؤسسات الدولة إلى احتواء المواطن الأردني صاحب الرأي الآخر لا شيطنته، وفتح قنوات حوار جاد ومسؤول معه، بعقل منفتح وصدر رحب، بعيدًا عن الأحكام المسبقة والمواقف الجاهزة.
لقد قام هذا النهج على قناعة راسخة بأن الاختلاف في الرأي لا ينتقص من الانتماء، ولا يمسّ جوهر الولاء، بل يشكّل في كثير من الأحيان تعبيرًا صادقًا عن الحرص على مصلحة الوطن والقيادة. فالدول الراسخة لا تخشى الرأي المختلف، بل تُحسن إدارته، وتحوّله من مصدر توتر إلى مساحة تصويب وبناء.
كما أن الدولة، بعقلها ومؤسساتها، ليست غافلة عن طبيعة الأصوات المختلفة، ولا عاجزة عن التمييز بين من يرفع صوته استقواءً على الوطن، ومن يرفعه حرصًا عليه. فالفارق واضح بين خطاب يبتغي إضعاف الدولة، وآخر يسعى إلى تصويب المسار من داخلها.
ومن واقع تجربة شخصية، كنتُ منخرطًا فيها في مرحلة سابقة ، هدفت إلى تقريب وجهات النظر بين أطراف بدت في ظاهرها متباعدة. وقد أظهرت تلك الجهود، بعد حوارات صريحة واستماع متبادل بعيدًا عن التزمت والانفعال، أن الخلاف لم يكن في جوهره سوى اختلاف في الرأي حول الوسائل لا في الغايات.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذا النهج لم يكن وليد ضغط أو ضعف، بل خيارًا واعيًا اتُّخذ من موقع القوة؛ فالقيادة كانت قادرة – لو شاءت – على استخدام أدوات الدولة للإقصاء، لكنها اختارت طريق الاحتواء والحوار.
وفي الختام، أوجّه دعوة صادقة إلى كل مواطن أردني لديه ما يقدّمه لهذا الوطن، فكرةً كانت أو رأيًا أو اجتهادًا، أن لا يتردّد في طرح ما لديه عبر القنوات الصحيحة، فالوطن يتّسع للجميع، ويقوى بأبنائه.
في الخام يمكننا القول أن الاحتواء ليس تراجعًا ولا ترفًا سياسيًا، بل هو أعلى مراتب القوة حين تمتلك الدولة قيادات وطنية صادقة ووعيًا راسخًا، ومؤسسات قادرة على التمييز، وثقةً بنفسها وبشعبها.

