لندن: محمد الطّورة
العموم نيوز:4 آذار 2026
تأتي الأسئلة الكبرى عادة في لحظات الاضطراب التاريخي، حين تتغير موازين النفوذ وتتبدل خرائط المصالح. وفي ظل ما تشهده المنطقة اليوم من أزمات متشابكة وصراعات سياسية واقتصادية متصاعدة، يعود سؤال قديم إلى الواجهة بصيغة جديدة: أيهما يصنع الآخر، المال أم القوة؟ وهل النفوذ السياسي والعسكري هو الذي يولد الثروة، أم أن الثروة هي التي تفتح الطريق إلى السلطة؟ إن توقيت هذا السؤال ليس مصادفة، بل هو انعكاس مباشر لواقع تتداخل فيه المصالح الاقتصادية مع القرارات السياسية، وتتشابك فيه القوة مع المال حتى يكاد يصعب الفصل بينهما.
منذ بدايات الحضارات، كانت القوة هي اللغة الأولى التي تُدار بها المجتمعات. قبل ظهور الأسواق المنظمة والأنظمة المالية المعقدة، كانت السيطرة على الأرض والموارد تعتمد على النفوذ العسكري والقدرة على فرض الإرادة. الإمبراطوريات القديمة لم تكن تبني ثرواتها من التجارة وحدها، بل من الضرائب والجزية والسيطرة على طرق التجارة. في تلك المراحل من التاريخ، كانت القوة هي الأصل الذي يولد المال، وكانت الثروة نتيجة مباشرة للسلطة السياسية والعسكرية.
لكن مع تطور الاقتصاد العالمي وظهور النظام الرأسمالي الحديث، تغيرت المعادلة تدريجياً. لم يعد المال مجرد نتيجة للقوة، بل تحول إلى أداة لصناعتها. فالثروة اليوم قادرة على تمويل الحملات السياسية، والتأثير في السياسات العامة، وتوجيه الرأي العام عبر الإعلام، بل وحتى التأثير في شكل الاقتصاد العالمي نفسه. الشركات العملاقة، التي تتجاوز ميزانياتها أحياناً ميزانيات دول بأكملها، أصبحت فاعلاً سياسياً غير مباشر، قادراً على التأثير في القرارات الكبرى.
غير أن النظر إلى المال والقوة باعتبارهما قوتين منفصلتين قد يكون تبسيطاً مفرطاً لواقع أكثر تعقيداً. ففي كثير من الأحيان، يعمل المال والقوة ضمن دائرة متصلة من التأثير المتبادل. المال يمنح النفوذ، والنفوذ يفتح أبواب السلطة، والسلطة بدورها تتيح الوصول إلى موارد وثروات جديدة. وهكذا تتشكل منظومة تتغذى فيها القوة من المال، ويتكاثر المال بفضل القوة.
وفي سياق المنطقة اليوم، تبدو هذه العلاقة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فالصراعات القائمة لا تدور فقط حول النفوذ العسكري أو السياسي، بل حول الموارد الاقتصادية وممرات الطاقة والأسواق. القوة العسكرية قد تحمي المصالح الاقتصادية، بينما يمكن للقدرة الاقتصادية أن تعزز النفوذ السياسي وتعيد تشكيل التحالفات.
هذا التداخل يجعل من الصعب الإجابة بشكل قاطع عن السؤال: أيهما يصنع الآخر؟ فالتاريخ يقدم أمثلة على لحظات كانت فيها القوة هي المصدر الأول للثروة، كما يقدم أمثلة أخرى على فترات أصبح فيها المال الطريق الأقصر إلى النفوذ. وربما تكمن الحقيقة في أن العلاقة بينهما ليست علاقة سبب ونتيجة بقدر ما هي علاقة دائرية، يتولد فيها كل عنصر من الآخر باستمرار.
في النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم هو من يصنع الآخر، بل كيف تتشكل المنظومات التي تجمع بينهما. ففي عالم اليوم، لم تعد القوة مجرد قوة السلاح، ولم يعد المال مجرد وسيلة للتبادل الاقتصادي. كلاهما أصبح شكلاً من أشكال النفوذ، وكلاهما قادر على إعادة تشكيل موازين القوى داخل الدول وبينها. ولهذا فإن فهم العلاقة بين المال والقوة ليس مجرد نقاش نظري، بل مفتاح أساسي لفهم ما يجري في عالم تتحدد ملامحه أكثر فأكثر عند تقاطع السياسة والاقتصاد والنفوذ.

