“الوطن ما له ثمن”
بعد ثمانيةٍ وأربعين عامًا من الغربة عن الأردن، زرتُ خلالها أجمل المدن، وسكنتُ أرقى الفنادق، وتذوّقتُ أشهى الأطعمة في أفخم المطاعم. رأيتُ ما يُبهر العين ويُدهش القلب، وعشتُ تفاصيل حياةٍ كان يتمناها الكثيرون. ومع كل ذلك، بقي في داخلي حنينٌ لا يخبو، وذاكرةٌ لا تُمحى.
ما زلتُ أعود بقلبي إلى بيتٍ من طين، سكنتُه يومًا في الشوبك، في قرية المنصورة. هناك، حيث كانت البساطة عنوان الحياة، وحيث كانت رائحة الطابون تنتشر في الأجواء، وخبزه يحمل طعمًا لا يشبه أي طعمٍ آخر. تفاصيل صغيرة، لكنها أكبر من كل ما رأيت، وأعمق من كل ما عشته في مدن العالم.
تشدّني تلك الذكريات بقوةٍ نحو الأرض التي وُلد فوق ترابها والدي، واحتضنته بعد رحيله. إنها ليست مجرد أماكن، بل جذورٌ تمتد في أعماقي، وحنينٌ يسكن روحي. ذكريات الطفولة والشباب، التي لا يمكن أن تعوّضها مدن الترفيه، ولا الأبراج الشاهقة، ولا أفخم المطاعم. فهناك أشياء لا تُشترى، ولا تُستبدل… لأنها ببساطة: وطن.
الوطن ليس مجرد قطعة أرض نعيش فوقها، ولا حدود مرسومة على الخريطة، بل هو الإحساس الأول الذي يتكوّن في داخلنا منذ الطفولة، وهو الذاكرة التي تسكن فينا مهما ابتعدنا. هو رائحة البيوت القديمة، وأصوات الشوارع، ووجوه الناس التي ألفناها، وهو اللغة التي نحب أن نحلم بها ونحكي بها عن أنفسنا.
قد يخرج الإنسان من وطنه بحثًا عن الرزق، أو طلبًا لحياة أفضل، وربما هربًا من ظروف سياسية أو اقتصادية صعبة. وقد ينجح في بناء حياة مستقرة في مكان آخر، ويحصل على ما لم يكن متاحًا له في بلده. ومع ذلك، يبقى في داخله فراغ لا يملؤه شيء، لأن الوطن ليس شيئًا يُعوّض، ولا يُشترى، ولا يُستبدل مهما كانت المغريات.
كثيرون هم أمثالي الذين غادروا أوطانهم، لكنهم ظلوا يحملونها في قلوبهم أينما ذهبوا. يتحدثون عنها بشوق، ويقارنون كل مكان بها، ويبحثون عن أي شيء يذكّرهم بها. حتى الذين عاشوا سنوات طويلة في الغربة، وتكوّنت لهم حياة جديدة، نجدهم في لحظات الصدق يحنّون إلى تراب بلادهم، وإلى تفاصيل بسيطة كانوا ربما لم يقدّروها حين كانوا فيها.
ومن أصدق الدلائل على قيمة الوطن أن كثيرًا من المغتربين يوصون بأن يُعادوا إليه بعد وفاتهم، ليدفنوا في ترابه. وكأنهم يريدون أن تكون النهاية حيث كانت البداية، وأن يعود الجسد إلى الأرض التي شهدت أول خطواته. هذه الرغبة العميقة تكشف أن العلاقة بين الإنسان ووطنه ليست علاقة مصلحة، بل علاقة انتماء لا تنقطع.
الوطن لا يُقاس بما يقدمه من مال أو رفاه، بل بما يمنحه من شعور بالأمان والهوية والانتماء. قد تعطيك الدنيا كنوزها، لكن لا يمكن أن تعطيك وطنًا يشبه وطنك. لأن الوطن الحقيقي يسكن في القلب، لا في الجغرافيا فقط.
وفي النهاية، يبقى الوطن هو الأهم، مهما ابتعدنا عنه أو اختلفنا معه. قد نغادره بأجسادنا، لكننا لا نستطيع أن نغادره بأرواحنا. فهو الأصل، وهو الملاذ، وهو الحقيقة التي لا تتغير: أن الوطن ما له ثمن.

