كيف شقّ رجل درس القانون طريقه إلى السياسة والإعلام؟
بداية أود أن أوضح أنني شخصياً لا أجد في الكتابة عن أبناء وطني حرجًا، ولا أتعامل معها بوصفها مجاملة عابرة أو ترفًا إنشائيًا، بل أراها واجبًا أخلاقيًا يُمليه الانتماء، وامتدادًا طبيعيًا لفكرة الإيمان بهذا الوطن. فالحديث عن نجاحاتهم ليس احتفاءً بأفراد بقدر ما هو قراءة في ملامح وطنٍ ينهض برجاله، وانعكاسٌ لسياساتٍ استطاعت أن تصنع بيئة تُثمر عطاءً وتميّزًا.
قد يذهب البعض — وأقولها بصراحة اعتدتُها — إلى تفسير هذا النوع من الكتابة على أنه ضربٌ من التزلف أو مجاراة الخطاب السائد، لكنني أنظر إلى الأمر من زاوية مختلفة تمامًا. فالكلمة، حين تكون صادقة، لا تُقال طلبًا لرضا أحد، بل احترامًا للحقيقة، وإنصافًا لتجارب تستحق أن تُروى.
أما أنا، فقد قطعت من العمر ما يكفي لأتحرر من حسابات المجاملة، وخضت من التجارب ما يجعلني أكثر ميلًا للصدق من أي وقت مضى. خدمت وطني لأكثر من أربعة عقود، في الداخل والخارج، ورأيت من مواقع مختلفة كيف تُبنى الدول، وكيف تتشكل الصورة، وكيف تُصاغ القيمة الحقيقية للإنسان حين يضع نفسه في خدمة وطنه.
واليوم، وبعد أن اخترت التقاعد، لم أختر الانسحاب من المشهد، بل فضّلت أن أواصل حضوري من موقعٍ آخر؛ من خلال الكلمة. أكتب لا طلبًا لمكسب، بل بدافع الانتماء، ومن شرفة الغربة في لندن من خلال موقع ( العموم نيوز ) ، أطلّ على الأردن، لا كجغرافيا فحسب، بل كحكاية مستمرة من العطاء والوفاء.
أكتب عن الأردن كما أعرفه، وأعرف رجاله كما خبرتهم: أوفياء، صادقون، وحاضرون في مواقع المسؤولية كما في ميادين العمل الصامت. أكتب لأن في هذا الوطن ما يستحق أن يُقال، وما يستحق أن يُروى، وما يستحق أن يُقدَّم للعالم بالصورة التي تليق به.
واليوم يسعدني أن أكتب عن شخصية من رجال الوطن هو معالي الأخ والصديق علي العايد الذي خرج من عباءة القانون، لكنه لم يخرج منها خالي الوفاض، بل يحمل في طيّاتها ميزانًا خفيًا يزن به الأشياء، ويقيس به المواقف، ويمضي به في دروبٍ قد تبدو للآخرين متشابكة. هكذا تبدو سيرة علي العايد؛ ليست مجرد انتقال من مهنة إلى أخرى، بل تحوّل في الأدوات مع ثبات في الجوهر، حيث تبقى العدالة حاضرة، حتى في أكثر لحظات السياسة التواءً.
ففي عالمٍ يضجّ بالصخب، حيث تختلط الشعارات بالمصالح، يبرز نموذج الرجل الذي لم يتخلَّ عن هدوء النص القانوني وهو يخوض غمار القرار. لم تكن دراسة القانون بالنسبة له محطة عابرة، بل كان تأسيسًا عميقًا لرؤيةٍ ترى في الدولة فكرةً قبل أن تكون سلطة، وفي المسؤولية التزامًا قبل أن تكون موقعًا. ومن هنا، لم تكن السياسة لديه ساحة صراع بقدر ما كانت مساحة لإعادة ترتيب العلاقة بين النص والواقع، بين ما ينبغي أن يكون وما يمكن أن يتحقق.
ينحدر معالي علي العايد من عشيرة (الدعجة)، الأردنية المعروفة وهي عائلة ذات حضور اجتماعي متجذر في البيئة الأردنية المحافظة، حيث تشكّل القيم الأصيلة—كالمروءة والالتزام والمسؤولية—أساسًا في بناء الشخصية. غير أن مسيرته لم تكن امتدادًا تقليديًا، بل جاءت ثمرة اجتهادٍ شخصي وتراكمٍ معرفي بدأ بدراسة القانون، التي صقلت أدواته ومنحته القدرة على قراءة الواقع بعين تحليلية متزنة.
بدأ العايد مسيرته في السلك الدبلوماسي، قبل أن ينتقل إلى فضاء العمل العام، جامعًا بين الإعلام والدبلوماسية والسياسة. وقد أتاح له هذا التنوع في التجربة فهمًا أعمق لطبيعة الدولة، ولأهمية الكلمة في تشكيل الوعي، وللدور الذي تلعبه الدبلوماسية في بناء العلاقات وإدارة التوازنات.
ولم يكن اختيار صاحب القرار لمعالي علي العايد لتولي هذه المناصب المهمة من قبيل الصدفة، بل جاء نتيجة تقييمٍ دقيق ومتابعةٍ مستمرة لأدائه خلال تنقله في مواقع العمل العام. فقد أثبت، في كل محطة، قدرةً على الجمع بين المهنية والاتزان، وعلى التعامل مع التحديات بروح المسؤولية لا بردود الفعل، وهو ما رسّخ الثقة به، وجعل حضوره في مواقع القرار امتدادًا طبيعيًا لمسيرة متراكمة، لا قفزة مفاجئة.
وخلال مسيرته، شغل العايد عددًا من المناصب البارزة، من بينها عضوأً في مجلس الأعيان وزير دولة لشؤون الإعلام، ووزير ثقافة والناطق الرسمي باسم الحكومة، إضافة إلى أدوار دبلوماسية متقدمه ،سفيراً في عدة دول ومناصب إعلامية متعددة، عكست قدرته على إدارة الخطاب الرسمي والتفاعل مع القضايا الوطنية والإقليمية بحسٍّ سياسي وقانوني رفيع.
إن تجربة علي العايد تقدّم نموذجًا للسياسي الذي لم تبتلعه السلطة ولم تغيّره المناصب، بل ظل وفيًا لجوهره الأول: رجل قانون يؤمن بأن العدالة ليست شعارًا، بل ممارسة يومية. وبين صرامة النص ومرونة الواقع، تتشكل شخصية قادرة على الموازنة، وعلى ترك أثرٍ يتجاوز اللحظة إلى ما بعدها.
إنها حكاية رجلٍ تشكّل وعيه بدراسة القانون، لكنه اختار أن يختبر ذلك الوعي في ميدانٍ أكثر اتساعًا وتعقيدًا. رجل لم تفتنه الأضواء ولم تغيّره المواقع، بل ظل وفيًا لذلك الخيط الرفيع الذي يربط الفكر بالفعل، ويجعل من الكلمة موقفًا، ومن الموقف أثرًا.
وفي زمنٍ تتسارع فيه التحولات، تبقى مثل هذه التجارب جديرة بالتأمل؛ لأنها تذكّرنا بأن السياسة، في جوهرها النبيل، ليست إلا امتدادًا لفكرة العدالة حين تغادر الكتب لتسكن حياة الناس.

