لندن: محمد الطّورة
التدخل فيما لا يعني: تجاوز للحدود واختلال في المفاهيم
تُعَدّ الضيافة الأردنية واحدة من أبرز معالم الثقافة المحلية. فالأردن قيادة وشعب لديه تاريخ طويل في استقبال الضيوف من مختلف أنحاء العالم. تعتبر هذه التقاليد جزءاً لا يتجزأ من الهوية الأردنية، حيث يجسد حسن الاستقبال وعدم التمييز بين الزوار من جميع الجنسيات وعلى إختلاف المواقع.
لا تدعوا بعض الأقلام وتوجهاتهم السياسية تسيء للضيافة الأردنية الأصيلة. فالأردن يُعرف بقدرته على احتضان الجميع دون تمييز. الضيافة ليست مجرد كلمات، بل هي سلوك وقيم تعكس الكرم والاحترام. في عالم اليوم، من المهم تعزيز هذه القيم والعمل على تعزيزها، لضمان أن تبقى الضيافة الأردنية رمزاً للسلام والتفاهم.
في الآونة الأخيرة، بات من المقلق ملاحظة تدخل بعض الأفراد أو الجهات غير المختصة في شؤون لا تدخل ضمن صلاحياتهم، وعلى رأسها مراقبة تصرفات شخصيات رسمية معتمدة من دولها، كالسفراء وممثلي البعثات الدبلوماسية . إن مثل هذا السلوك لا يعكس وعيًا سياسيًا أو حرصًا وطنيًا كما قد يُصوَّر، بل يكشف عن خلل في فهم الأدوار وحدود المسؤوليات.
فالسفراء، بحكم مناصبهم، يخضعون لأطر قانونية ودبلوماسية واضحة، وتنظم شؤونهم اتفاقيات دولية معروفة، كما أن أي ملاحظات أو تحفظات على أدائهم هي من صميم اختصاص الجهات الرسمية المعنية، وفي مقدمتها وزارات الخارجية وشؤون المغتربين، وليس من حق الأفراد أو الجهات غير المخولة أن تنصب نفسها رقيبًا أو وصيًا على العمل الدبلوماسي.
ومن المؤسف كذلك أن يسخّر بعض أصحاب الأقلام كتاباتهم لمهاجمة سفراء معتمدين، متناسين أو متجاهلين أن الإساءة لهؤلاء لا تُفهم على أنها رأي شخصي فحسب، بل قد تُفسَّر على أنها إساءة لدولهم، بما قد يترتب عليه توتر أو إرباك في العلاقات الثنائية، لا حاجة للوطن به. فهؤلاء السفراء ضيوف على البلد، تحكم وجودهم أعراف دبلوماسية راسخة، واحترامهم هو من احترام الدولة ذاتها.
وإن كان لدى أي شخص ملاحظة أو تحفظ على تصرف ما، فإن الطريق السليم ليس عبر المنابر الإعلامية أو حملات التشهير، بل من خلال القنوات الرسمية وبالأسلوب المسؤول، وبالتواصل المباشر إن أمكن، بعيدًا عن الاستعراض وحب الظهور. فالمصلحة العامة لا تتحقق بالضجيج، بل بالحكمة، ولا تُخدم بإثارة الرأي العام، بل بحسن التقدير وصون الاستقرار.
إن مصلحة الوطن يجب أن تتقدم على كل مصلحة أخرى، وألا تُزاحمها الأهواء الشخصية أو الرغبة في لفت الأنظار. فحين يُقدَّم الوطن على الذات، وتحترم المؤسسات، وتُصان العلاقات الدولية، عندها فقط نكون قد مارسنا المسؤولية بحق، وأدّينا واجب الكلمة كما ينبغي.
من منطلق خبرتي كموظف عام سابق، أؤكد أن مؤسساتنا الرسمية المختصة لا تُهمل أي ملاحظة تُعرض عليها، بل تعمل بجدية ومسؤولية، ليلًا ونهارًا، لمتابعة الأداء ومراقبة كل ما من شأنه حماية الوطن وصون مصالحه العليا. فهناك منظومة قائمة، تعمل بصمت، وتؤدي واجبها دون ضجيج أو استعراض.
اليوم بصفتي الشخصية ،وقبل أي صفة أخرى وبدون أي أرتباط رسمي في مؤسسات الدولة ؛ مواطنًا يهمه وطنه وسمعته وعلاقاته مع الدول الشقيقة والصديقة. معتبراً إن الإساءة إلى هذه العلاقات، أو محاولة النيل منها عبر الإعلام أو المنصات العامة، لا تخدم مصلحة الوطن، بل قد تفتح أبوابًا لا حاجة لنا بها، وتُلحق أضرارًا تتجاوز حدود النوايا والشعارات.
ارحموا الوطن، ولا تجعلوه ساحة لتصفية الحسابات أو منصة لحب الظهور وتسجيل المواقف. فالمصلحة الوطنية لا تُبنى بالضجيج، ولا تُحمى بالتصعيد، بل بالحكمة، وبالاحتكام إلى القنوات الرسمية، وبالثقة بالمؤسسات التي وُجدت أصلًا لتحمل هذا العبء.
إن من يحرص حقًا على وطنه، يعرف أن الطريق الصحيح يمر عبر أصحاب القرار، لا عبر العناوين، وأن صون سمعة الدولة وحماية علاقاتها مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون واجبً.

