لندن: محمد الطّورة
بمناسبة مرور عامين على رحيل والدي الغالي الحاج محمود علي صباح الطّورة، معلمي الأول، ومثلي الأعلى في الحياة، أجدني أعود إلى كلماته كما لو أنها قيلت اليوم. لم يكن أبي مجرد أب، بل كان مدرسةً في القيم، وقدوةً في الموقف، وبوصلةً لا تخطئ اتجاه الوطن. وفي هذه الذكرى، لا أستحضر الغياب بقدر ما أستحضر الأثر… ذلك الأثر الذي ما زال يرشدني، ويمنحني القوة لأمضي كما أراد لي أن أكون.
والدي الحبيب… يا ساكن الثرى والحاضر في سويداء القلب…
جئتك اليوم لا أحمل دمعي فقط، بل أحمل إليك نبضي كلّه، وأقف بين يديك كما كنت أقف طفلًا، أستمد منك القوة، وأتعلّم منك المعنى. ما زالت كلماتك، يا أبي، تتردد في أعماقي كأنها قيلت بالأمس، كلماتك التي غرست في روحي أن الوطن ليس مكانًا نمرّ به، بل كيانًا نسكنه ويسكننا، وأنه أكبر من الأسماء، وأبقى من الوجوه، وأسمى من كل خلاف عابر.
كنت تقول لي: “يا أبني، سيأتي من يعلو صوته، ومن يظن نفسه أحرص على الوطن منك، فلا تنخدع، ولا تضعف، ولا تسمح لأحد أن يساومك على ولائك وانتمائك.” وها أنا اليوم، أقف أمامك شاهدًا على العهد، أقول لك: لم أخن الوصية، ولم أبدّل الطريق، ولم تنحنِ رايتي رغم كل الرياح.
أطمئن يا أبي… فما زلت على العهد الذي قطعته أمام الله ثم أمامك، أن أبقى ابن الوطن الصادق، الحارس لمعناه، الذائد عن كرامته، المؤمن بقيادته الهاشمية، الثابت على محبته مهما تعاظمت المحن، أو اشتدّت حملات التشكيك والافتراء.
لقد وجدت طريقي، كما علمتني، بالكلمة الحرة والمسؤولة، فأنشأت “العموم نيوز” هنا في بريطانيا، ليكون منبرًا لا ينحني، وصوتًا لا يُشترى، ونافذةً تُطلّ منها صورة الأردن المشرقة إلى العالم. أردته عهدًا بيني وبينك، وامتدادًا لوصيتك، وسلاحًا من نور في وجه الظلال، بعيدًا عن الإملاءات، وعن كل يدٍ تحاول أن تعبث بالحقيقة أو تشوّه الانتماء.
نعم يا أبي… لم يكن الطريق مفروشًا باليسر، وواجهت من الشكوك ما واجهت، ومن الضيق ما كاد يثقل صدري، لكنني كنت أراك في كل لحظة ضعف، أسمع صوتك، فأشتدّ، وأتذكّر يقينك بأن الأشخاص إلى زوال، وأن الوطن هو الباقي، وأن العدالة وإن تأخرت، لا تموت.
سأبقى كما أردتني… كقلعة الشوبك، شامخًا لا أنحني، راسخًا لا أتزحزح، عصيًا على العواصف، ثابتًا كجبال الوطن التي لا تساوم ولا تميل. سأبقى ابنك الذي يحمل وصيتك في قلبه، ويجعل من حب الوطن عقيدة لا تتبدل، ومن الدفاع عنه شرفًا لا يُفرّط فيه.
والدي الحبيب في زمنٍ تختلط فيه الأصوات، وتتداخل فيه النوايا بين صدقٍ وادعاء، يصبح الحديث عن الوطن امتحانًا أخلاقيًا قبل أن يكون موقفًا سياسيًا. فالوطن، في جوهره، ليس ساحةً لتصفية الحسابات، ولا منصةً لتسجيل المواقف العابرة، بل هو القيمة الثابتة التي يُقاس بها صدق الرجال، وتنكشف عندها حقيقة الانتماء.
لقد تعلّمت، في وقتٍ مبكر، أن أخطر ما يواجه الأوطان ليس خصومها الواضحين، بل أولئك الذين يتسلّلون إلى خطابها من الداخل، يرفعون شعارات الحرص، بينما يُثقلون الوعي العام بالشك، ويُربكون البوصلة، ويُقدّمون أنفسهم بوصفهم أوصياء على الحقيقة والوطن معًا. هؤلاء لا يختلفون، في الأثر، عمّن يواجهون الأوطان علنًا، لأنهم يضربون الثقة من جذورها، ويستهدفون المعنى قبل الشكل.
في هذا السياق، لا بد من إعادة التأكيد على حقيقة جوهرية: أن الوطن أكبر من الجميع، وأبقى من كل الأشخاص، وأن الولاء له لا يجوز أن يُختزل في ردود أفعال، أو يُشوَّه بسبب ممارسات أفراد، أو يُساوَم عليه تحت أي ظرف. فالدول لا تُبنى بالانفعال، ولا تُحفظ بالضجيج، بل بالثبات على المبدأ، والوضوح في الانتماء، والإيمان العميق بأن ما يجمعنا هو أعظم مما يفرّقنا.
إن الدفاع عن الوطن لا يكون بالصوت المرتفع فقط، بل بالكلمة المسؤولة، وبالموقف الذي لا ينحني، وبالقدرة على التمييز بين النقد البنّاء الذي يُصلح، وبين التشكيك الذي يهدم. فهناك فرقٌ كبير بين من يُحب وطنه فيسعى لتقويته، وبين من يتخذ من الوطن منصةً لتصفية رؤاه أو تصدير شكوكه.
ومن هنا، فإن الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من الشعارات، بل إلى خطابٍ واعٍ يعيد الاعتبار لفكرة الانتماء الحقيقي، ويُحصّن الوعي العام من محاولات التشويه والتضليل. خطابٌ يُدرك أن الوطن ليس تفصيلًا في حياتنا، بل هو الإطار الذي يمنحها معناها، وأن الحفاظ عليه مسؤولية جماعية لا تقبل المساومة أو التردد.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية الإعلام بوصفه أحد أهم أدوات تشكيل الوعي، لا لنقل الخبر فحسب، بل لحماية المعنى. فالإعلام، حين يكون حرًا ومسؤولًا، يتحول إلى خط دفاع متقدم عن الوطن، يُقدّم الحقيقة كما هي، دون انحيازٍ لغيرها، ودون خضوعٍ لإملاءات، ودون انزلاقٍ نحو خطاب التشكيك أو الإثارة.
ومن هذا المنطلق، جاءت تجربة “العموم نيوز” في بريطانيا، لا كإضافة إعلامية تقليدية، بل كمحاولة واعية لتقديم صوتٍ يعكس صورة الأردن والعالم العربي بصدقٍ واتزان، بعيدًا عن الضغوط، ومنأى عن محاولات التوظيف أو التشويه. تجربة تقوم على قناعة واضحة بأن الكلمة الصادقة ليست ترفًا، بل ضرورة، وأن الدفاع عن الوطن يبدأ من الدفاع عن صورته، وعن حقيقة ما يُنجز على أرضه.
إن التحديات التي تواجه الأوطان اليوم لا تُعالج بردود الفعل، بل ببناء وعيٍ راسخ، قادر على التمييز، وعلى الصمود أمام حملات التشكيك، وعلى الحفاظ على الثقة بوصفها الركيزة الأولى لأي استقرار حقيقي.
ويبقى المعيار في النهاية بسيطًا، رغم كل التعقيد:
هل نحن مع الوطن بوصفه قيمة ثابتة، أم مع الأشخاص بوصفهم حالات عابرة؟
ذلك هو السؤال… وتلك هي الإجابة التي تحدد موقع كل واحدٍ منا.
نم قرير العين يا أبي… فإن ابنك لم يضع الطريق، ولم يهن، ولم يساوم. ما زلت أسير على خطاك، وأحمل الأمانة التي أودعتها في صدري، وأمضي بها ما حييت.
رحمك الله رحمةً تليق بنقاء قلبك، وأعانني أن أكون دائمًا كما أردتني… وكما أحببت.

