لندن: محمد الطّورة
منذ انطلاقه، يقدّم موقع “العموم نيوز” نفسه بوصفه موقعًا إخباريًا عربيًا شاملًا، يسعى إلى متابعة الشأن العربي بمختلف قضاياه، واضعًا نصب عينيه نقل الصورة كما هي، دون انتقائية أو تزييف. غير أن المتابع قد يلحظ—وهذا أمر مفهوم—حضورًا لافتًا للأردن في محتواه، وهو حضور لا يأتي من انحياز مقصود بقدر ما يعكس هوية ناشره الأردني، وانشغاله الطبيعي بقضايا وطنه.
لكن هذا الحضور لا يعني، بأي حال من الأحوال، إغفال القضايا العربية الأخرى، فالأردن لم يكن يومًا معزولًا عن محيطه، بل كان دائمًا في صميمه، سياسيًا وتاريخيًا وإنسانيًا. وليس عبثًا أن يحمل الجيش الأردني اسم “الجيش العربي”، في دلالة عميقة على انتماء يتجاوز الحدود، ويعكس عقيدة راسخة بأن قوة الأردن من قوة أمته العربية، وأن قضاياه جزء لا يتجزأ من قضاياها.
ومن هذا المنطلق، يلتزم “العموم نيوز” بخط تحريري لا يحيد عن الاهتمام بالشأن العربي، ولا ينفصل عن همومه، واضعًا مصلحة العالم العربي في قلب أولوياته، بالتوازي مع اهتمامه بالشأن الأردني.
أما في ما يخص الأردن، فقد أخذ الموقع على عاتقه، منذ اليوم الأول لانطلاقه، أن يكون صوتًا صريحًا، لا يتردد في تسليط الضوء على مواطن الخلل أينما وجدت، إيمانًا بأن النقد المسؤول هو الطريق الأقصر نحو الإصلاح. وهو في ذلك يستلهم توجيهات جلالة الملك عبد الله الثاني، الذي ما فتئ يؤكد: “ارفعوا صوتكم”، في دعوة واضحة إلى عدم الخوف، وإلى التعبير الصادق من أجل مصلحة الوطن والمواطن.
وبين هذا الانتماء وذاك الالتزام، يحاول “العموم نيوز” أن يرسم لنفسه طريقًا واضحًا: إعلام عربي الهوية، أردني القلب، وصادق في كلمته.
فكرة الموقع، كما أرادتها ، لم تكن يومًا مرتبطة بالمكان بقدر ما كانت مرتبطة بالرسالة. كان الطموح أن ينطلق من عمّان، من قلب الحدث، من الأرض التي أنتمي إليها، غير أن الظروف—وتلك الكلمة التي تختصر كثيرًا من التفاصيل التي لا تُقال—وقفت حاجزًا أمام هذا الطموح. وهنا، لم يكن الخيار بين الداخل والخارج خيارًا جغرافيًا بحتًا، بل كان خيارًا بين الصمت أو الاستمرار، بين التراجع أو البحث عن نافذة أخرى.
لكن ما الذي يعنيه أن يصدر صوت أردني من لندن؟ هل يفقد شيئًا من أصالته؟ أم يكتسب، ، مساحة أوسع على نحو متناقض ليكون أكثر قربًا من الحقيقة؟ في الواقع، لا تُقاس الهوية بالموقع الجغرافي، بل بالبوصلة التي توجه الخطاب. و”العموم نيوز”، كما يتضح من فلسفته، لا يسعى إلى أن يكون منصة معارضة بالمعنى التقليدي، ولا منبرًا دعائيًا يكرر الخطاب الرسمي، بل مساحة ثالثة، نادرة، وصعبة: مساحة النقد المسؤول.
إن التحدي الأكبر لأي وسيلة إعلامية ليست في نقل الخبر، بل في كيفية مقاربته. فبين التجميل المفرط الذي يُفقد الإعلام مصداقيته، والتعرية الفجة التي تتحول إلى جلد للذات، تضيع الحقيقة. وهنا، يطرح “العموم نيوز” معادلة دقيقة: أن تقول ما يجب قوله، دون أن تنزلق إلى ما لا يجب قوله؛ أن تضيء على الخلل، دون أن تحوّل الضوء إلى حريق.
هذه المقاربة تنبع من إيمان عميق بأن الوطن لا يُحمى بالصمت، كما لا يُبنى بالتشهير. فالإشارة إلى مواطن الخلل—حتى وإن جاءت بصيغة تلميح ذكي أو نقد محسوب—هي فعل انتماء، لا خروج عليه. بل لعل أخطر ما يمكن أن يواجه أي دولة هو تراكم الأخطاء في الظل، بعيدًا عن النقاش، حيث تتحول المشكلات الصغيرة إلى أزمات كبيرة.
وفي المقابل، يدرك هذا التوجه أن هناك خيطًا رفيعًا بين النقد والإساءة، بين المكاشفة والمسّ بالثوابت. ولذلك، فإن المسؤولية المهنية والأخلاقية تصبح هنا ليست خيارًا، بل شرطًا للوجود. فالكلمة، حين تصدر من خارج الحدود، تكون تحت مجهر مضاعف: يُساء فهمها بسهولة، وتُحمَّل أحيانًا أكثر مما تحتمل.
من هنا، تبدو مهمة “العموم نيوز” أكثر تعقيدًا من مجرد نقل الأخبار؛ إنها محاولة لبناء خطاب إعلامي متوازن، يحافظ على الهوية الأردنية، ويعبر عن انتماء عربي أوسع، دون أن يقع في فخ الشعارات أو الانفعالات. خطاب يرفض المجاملة حين تكون على حساب مصلحة الوطن، كما يرفض المزايدة حين تتحول إلى استعراض.
وربما تكمن القيمة الحقيقية لهذا المشروع في كونه يعترف ضمنيًا بحقيقة قد تكون غير مريحة: أن بعض الأصوات لا تجد مساحتها الكافية في الداخل، فتضطر للبحث عن فضاء آخر لتُسمع. وهذه ليست إدانة بقدر ما هي دعوة للتأمل. فالإعلام، في جوهره، ليس مجرد وسيلة نقل، بل مرآة. وإذا اضطرت المرآة إلى الانتقال خارج الجدار لتعكس الصورة، فالمشكلة ليست في المرآة.
في النهاية، لا يمكن الحكم على أي تجربة إعلامية من خلال موقعها الجغرافي، بل من خلال صدقها، مهنيتها، وقدرتها على التوازن بين الجرأة والمسؤولية. و”العموم نيوز”، كما يبدو من رؤيته، يحاول أن يسير على هذا الحبل المشدود، حيث السقوط سهل، لكن النجاح—إن تحقق—يكون ذا قيمة استثنائية.
العموم نيوز مشروع إعلامي يراهن على وعي القارئ، وعلى أن الحقيقة، مهما كانت هادئة أو غير صاخبة، تبقى أكثر تأثيرًا من أي ضجيج.

