لندن: محمد الطّورة
الحياد بين الشك واليقين: عندما يُساء فهم الاستقلال
في كل مرة يُطرح عليّ السؤال ذاته: هل تحصل على إعلانات مدفوعة الأجر مقابل نشرها في موقعك؟ تكون إجابتي واضحة ومباشرة: لا. وليس في هذه الإجابة ما يدعو للاستغراب أو ما يستوجب الريبة، ومع ذلك غالبًا ما يتبعها تعليق يحمل في طياته حكمًا مسبقًا مفاده أن أي موقع إعلامي لن يحصل على إعلان من جهة حكومية أو أهلية ما لم يكن خطه التحريري واضحًا في اصطفافه مع جهة معينة أو دولة بعينها. هذا الرد لا يكشف فقط عن سوء فهم لطبيعة العمل الإعلامي المستقل، بل يعكس أزمة أعمق تعيشها بيئة الإعلام المعاصر، حيث جرى اختزال المهنية في الاصطفاف، وربط الاستمرارية المالية بالولاء السياسي.
في عالم اليوم أصبح من الشائع الاعتقاد بأن كل وسيلة إعلامية تقف خلفها جهة ما، وأن كل منبر إعلامي لا بد أن يكون تابعًا أو محسوبًا على طرف محدد، وكأن الاستقلال ضرب من الخيال أو رفاهية لا تتحقق إلا في النظريات. هذا التصور يختزل الإعلام في بعد سياسي واحد، ويتجاهل أن هناك إعلامًا يؤمن بدوره المجتمعي قبل أي شيء، ويعتبر الحقيقة قيمة قائمة بذاتها لا وسيلة لتحقيق غاية أو تمرير أجندة.
عندما سُئلت عن اصطفاف الموقع كان ردي بسيطًا لكنه عميق الدلالة: هل قرأت اسم الموقع قبل أن تسأل؟ اسم الموقع ليس تفصيلًا عابرًا، ولم يُختر اعتباطًا أو بدافع ظرفي. اسم «العموم نيوز» يحمل في جوهره فلسفة واضحة؛ فالعموم يعني الشمول والاتساع والانفتاح على الجميع دون استثناء، وهو إعلان صريح عن هوية تحريرية ترى في التعدد مصدر قوة لا مصدر انقسام، وفي التنوع مساحة للتلاقي لا ساحة للصراع. من اختار هذا الاسم لا يمكن أن ينزلق إلى محاباة طرف على حساب آخر أو إلى حمل وجهة نظر ضد جهة بعينها، لأن الفكرة منذ اللحظة الأولى كانت أن يكون الموقع مساحة جامعة لا منصة مواجهة، منبرًا لنقل الأخبار وتحليلها لا ساحة لتصفية الحسابات.
في بيئة إعلامية مشحونة يُساء أحيانًا فهم الحياد، ويُنظر إليه كرمادية أو كتهرب من اتخاذ موقف، بينما الحقيقة أن الحياد المهني هو أصعب المواقف وأشدها كلفة. أن تكون محايدًا يعني أن تلتزم بالمعايير حتى عندما يكون الانحياز أسهل وأسرع وأكثر ربحًا، وأن تفصل بين الرأي والخبر، بين القناعة الشخصية والواجب المهني. الحياد لا يعني غياب الرأي، بل يعني تقديم المعلومة كاملة كما هي، وترك مساحة للقارئ كي يبني موقفه بحرية، دون توجيه قسري أو تلاعب خفي.
أما مسألة الإعلان، فهي في جوهرها علاقة تجارية تقوم على المنفعة المتبادلة، لا على الولاء السياسي. المؤسسة التي تبحث عن منصة إعلامية جادة ومحترفة لا تسأل أولًا عن اصطفافها، بل عن مصداقيتها، جمهورها، وانتشارها، وتأثيرها الحقيقي. ربط الإعلان بالانحياز يعكس تصورًا مؤلمًا مفاده أن السوق الإعلامي لا يكافئ المهنية بل يكافئ الولاء، وإذا كان هذا يحدث في بعض الحالات فلا يمكن تعميمه كقاعدة تحكم الجميع. الاستقلال قد يبطئ بعض الفرص، وقد يؤخر بعض المكاسب، لكنه يمنح ما هو أثمن من أي إعلان عابر: الثقة.
أن تختار الاستقلال يعني أن تدفع ثمنه. قد تُغلق بعض الأبواب، وقد يُساء فهمك أحيانًا، وقد تُتهم بأنك تقف في منطقة رمادية لأنك لا تصطف مع هذا الطرف أو ذاك. لكنه أيضًا يعني أن تنام مطمئن الضمير، وأن يبقى اسمك غير مرتهن لقرار جهة أو مزاج ممول. الاستقلال ليس شعارًا يُرفع في الواجهة، بل ممارسة يومية تبدأ من اختيار العناوين، وتمر بطريقة الصياغة، وتنتهي بنوعية القضايا التي تُطرح وكيفية معالجتها.
الإعلام المستقل لا يطلب التصفيق، بل يطلب الثقة، والثقة لا تُمنح مرة واحدة بل تُبنى خبرًا بعد خبر، وتُختبر عند كل حدث كبير. إذا كان هناك من يرى أن النجاح لا يتحقق إلا بالاصطفاف، فهناك أيضًا من يؤمن أن الاستمرارية الحقيقية تُبنى على المهنية، وأن القارئ العربي يستحق منصة لا تُصنَّف قبل أن تُقرأ ولا تُدان قبل أن تُفهم.
«العموم نيوز» ليس موقعًا ضد أحد ولا مع أحد، بل هو مع القارئ أولًا وأخيرًا، مع الحقيقة كما هي، ومع الشمول الذي يحمله اسمه. وفي زمن الاستقطاب الحاد، قد يكون أعظم موقف يمكن أن يتخذه الإعلامي هو أن يبقى واقفًا في مساحة الضوء، دون أن ينحاز إلا لما يمليه عليه ضميره المهني. هذا ليس ادعاء مثالية، بل اختيار واعٍ، ولكل اختيار كلفته، لكن قيمته تبقى أكبر من أي اصطفاف عابر.

