إيران تذرف دموع التماسيح… والأردن يمارس حقه السيادي
إن الشكوى التي تقدّم بها مندوب إيران ضد بلدي الأردن لم تكن حدثًا عابرًا يمكن تجاهله، بل شكلت دافعًا مباشرًا لكتابة هذا المقال، ليس فقط من باب الرد، وإنما من منطلق توضيح الحقائق ووضع الأمور في نصابها الصحيح. فهذه الخطوة، التي تبدو في ظاهرها إجراءً دبلوماسيًا، تحمل في جوهرها قدرًا كبيرًا من التناقض، وتثير تساؤلات مشروعة حول دوافعها وتوقيتها.
وما يلفت الانتباه أن هذه الشكوى، التي يدرك مقدّموها قبل غيرهم محدودية وجاهتها، لا يمكن قراءتها إلا في سياق محاولات الاصطياد في الماء العكر، وصرف الأنظار عن قضايا أكثر جوهرية. وهي بذلك تعكس، إلى حد بعيد، حالة من الارتباك السياسي، إن لم نقل الإفلاس، الذي يدفع إلى تبني مواقف تفتقر إلى الاتساق والمنطق، ولا تصمد أمام أي قراءة موضوعية متأنية.
وفي مشهد لا يخلو من التناقض، تتقدم إيران باحتجاج رسمي لدى الأمم المتحدة ضد الأردن، متناسيةً أو متجاهلةً حقيقة أساسية لا تقبل الجدل: أن لكل دولة الحق الكامل في الدفاع عن سيادتها وأجوائها وأمن شعبها. وهنا يتجسد المثل العربي القديم بأوضح صوره: “ضربني وبكى وسبقني واشتكى”.
الأردن، الدولة التي اختارت منذ عقود نهج الاتزان والحكمة، لم يكن يومًا طرفًا في مغامرات عسكرية عبثية، ولم يسعَ إلى إشعال الحروب أو تأجيج الصراعات. بل على العكس، حافظ على سياسة واضحة قائمة على حماية مصالحه الوطنية، والنأي بنفسه عن صراعات لا تخدم استقراره ولا أمن شعبه.
إن ما قامت به الأردن ليس إلا ممارسة مشروعة لحق سيادي تكفله القوانين الدولية قبل الأعراف السياسية. فهل المطلوب من الأردن أن يقف مكتوف الأيدي أمام أي تهديد؟ أم أن المطلوب منه أن يزج بجيشه وشعبه في أتون حرب مدمرة، فقط لإرضاء حسابات إقليمية أو طموحات سياسية لا تمت لمصلحته بصلة؟
التجارب في المنطقة ماثلة أمام الجميع، ولبنان مثال واضح لا يحتاج إلى شرح. حين تُجر الدول إلى صراعات أكبر منها، تكون النتيجة إنهاك الدولة، واستنزاف مقدراتها، ودفع الشعوب ثمنًا باهظًا. والأردن، بوعيه السياسي وخبرته التاريخية، يدرك تمامًا هذه الحقيقة، ولذلك يرفض أن يكون جزءًا من هذا السيناريو.
لقد أثبتت القيادة الأردنية، عبر عقود طويلة، قدرة استثنائية على عبور الأزمات، والتعامل مع التحديات بأقصى درجات الحكمة والتوازن. ومنذ تأسيس المملكة وحتى اليوم، ظل الأردن نموذجًا للاستقرار في منطقة تعصف بها الاضطرابات.
القوة الحقيقية لا تكمن في الانخراط في كل صراع، بل في معرفة متى تتقدم ومتى تتراجع، متى تحارب ومتى تتجنب الحرب. فالحكمة ليست ضعفًا، بل هي أعلى درجات القوة السياسية.
وفي هذا السياق، يبدو أن بعض الأطراف تحاول قلب الحقائق، وتصوير الدفاع المشروع على أنه اعتداء، بينما تغض الطرف عن جذور التوتر وأسبابه الحقيقية. لكن الوعي السياسي والشعبي في المنطقة بات أكثر قدرة على تمييز هذه المفارقات.
سيبقى الأردن، بإذن الله، وطنًا مستقرًا، محصنًا بقيادته الواعية وشعبه المتماسك، متمسكًا بحقه في الدفاع عن نفسه، ورافضًا أن يكون ساحة لصراعات الآخرين أو أداة في مشاريعهم.
وفي النهاية، يبقى السؤال: من يحق له الشكوى؟ ومن يمارس حقه الطبيعي؟ الإجابة واضحة لكل من ينظر إلى الأمور بعين الواقع، لا بعين المصالح الضيقة.

