لندن: محمد الطّورة
أضع جانبًا اليوم لغة المجاملات والدبلوماسية التي التزمت بها طوال مسيرتي المهنية، وأتخلى عمدًا عن العبارات المنمقة التي اعتدت استخدامها في الخطاب الرسمي، لأكتب عن تجربة قاسية ومؤلمة لا يمكن تلطيفها بالكلمات. لم أكن أنوي يومًا أن أتحدث من هذا الموقع، ولا أن أروي حكاية كنت أتمنى لو لم أعشها أصلًا، لكن ما حدث تجاوز حدود الاحتمال، وجعل الصمت تواطؤًا مع الألم.
لم يكن مؤلمًا فقط أن أجد نفسي في مواجهة وزارة منحتها أفضل سنوات عمري، بل أن أكتشف أن المسافة بين الوفاء والموقف الرسمي قد تكون أقصر مما نتخيل. هذه شهادة أكتبها لا بدافع الانفعال، بل بدافع الحق في رواية ما حدث كما كان، بعيدًا عن الصيغ المريحة والعبارات الآمنة.
في لحظةٍ ما، تقف مذهولًا أمام حقيقة لم تكن تتخيّلها يومًا: الجهة…. التي أفنيت من أجلها وقتك وطاقتك، وربما سنوات عمرك، أصبحت خصمك تضيع وقتك وتهدر مالك بالمناكفات والتسويف.
الراية التي رفعتها بفخر صارت تُرفع في وجهك، والمؤسسة التي ظننتها حصنك الأخير تحوّلت إلى ساحة مواجهة. أيُّ خذلانٍ هذا؟ وأيُّ صدمةٍ أعمق من أن يُحاربك من كنت تظنه سندك؟
أول ما يتبادر إلى الذهن هو جلد الذات: يا لسذاجتي… كيف وثقت؟ لكن الثقة ليست سذاجة، والإيمان بفكرة أو بمؤسسة أو بوطن ليس ضعفًا، بل تعبير عن قيم راسخة في الداخل. أنت لم تكن ساذجًا، كنت مخلصًا. لم تكن واهمًا، كنت تؤمن بشيء أكبر منك. المشكلة ليست في نقاء نيتك، بل في طبيعة الكيانات التي نُحمّلها أكثر مما تحتمل. نحن بحكم العاطفة نُشخْصِن الدولة، نراها ككيان أخلاقي يبادل الوفاء بالوفاء، بينما هي في حقيقتها منظومة مؤسسات تتحرك وفق سياسات ومصالح وحسابات معقدة لا مكان فيها للعاطفة الفردية.
قد تخدم بإخلاص لسنوات، وقد تظن أن التاريخ المشترك كفيل بأن يحميك، لكن حين تتغير الظروف أو تتعارض المصالح يُعاد ترتيب الأولويات ببرود، وقد تجد نفسك فجأة في خانة لم تخترها ولم تتوقعها. ليس لأنك خنت، ولا لأنك قصّرت، بل لأن المعادلة تغيّرت. هنا لا يكون الألم في المواجهة وحدها، بل في انهيار الصورة التي بنيتها في داخلك، في تصادم ما كنت تؤمن به مع ما تراه الآن أمامك، في اهتزاز فكرة الانتماء نفسها.
هذا النوع من الصدمات لا يمس موقعك أو عملك فقط، بل يمس هويتك. تشعر وكأن جزءًا منك يُنتزع، وكأن سنوات من العطاء تُعاد قراءتها بلغة أخرى. ومع ذلك، يبقى شيء واحد لا يمكن لأحد أن يسلبك إياه: قيمك أنت. خدمتك كانت انعكاسًا لمبادئك، لا منّة تنتظر مقابلها، وإخلاصك كان جزءًا من شخصيتك، لا عقدًا مشروطًا باستمرار الرضا. قد تخذلك المؤسسات والقائمين عليها، لكن لا تسمح للتجربة أن تجعلك تخذل نفسك. لا تدع المرارة تتحول إلى حقد يأكلك من الداخل، ولا الألم يتحول إلى انكسار دائم يعطّل قدرتك على النهوض من جديد.
الواقعية لا تعني القسوة، لكنها تعني أن ترى الأشياء كما هي، لا كما تمنيت أن تكون. أن تفصل بين الوطن كفكرة واسعة تتجاوز الأشخاص والمراحل، وبين الممارسات التي قد تخطئ أو تظلم. وأن تدرك أن كرامتك لا تتحدد بموقف مؤسسة منك، بل بموقفك أنت من نفسك. ربما تحاربك المؤسسة أو الوزارة التي خدمتها يومًا، وربما تخيب ظنونك في من ظننتهم سندًا، لكن الخسارة الحقيقية ليست في تبدّل المواقع، بل في أن تسمح لتلك التجربة أن تسرق منك إنسانيتك وإيمانك بقيمك. وفي النهاية، ما يبقى لك فعلًا ليس ما فعلوه بك، بل ما اخترت أن تكونه رغم كل ما حدث.

