لندن: محمد الطّورة
في زمنٍ تختلط فيه الحقائق بالخطابات السياسية، أحيانًا تخرج الحقيقة من مكان غير متوقع. ليس من قاعة اجتماعات مغلقة، ولا من تقرير استخباراتي سري، بل من خشبة مسرح.
قبل سنوات، وفي عمل مسرحي تناول مأساة الغزو العراقي للكويت، أطلق الفنان الكويتي الراحل حسين عبد الرضا عبارته الشهيرة: «والله مطبوخة… صدقوني طابخينها». قالها بلهجة ساخرة، فضحك الجمهور، لكنها لم تكن مجرد نكتة مسرحية عابرة. كانت جملة مكثفة تختصر شعورًا عميقًا بأن بعض الحروب لا تولد فجأة، بل تُحضَّر في الخفاء، وتُطبخ ببطء قبل أن تُقدَّم للشعوب كأنها قدر مفاجئ.
الفنان قالها ببساطة. لكن خلف هذه البساطة تكمن حقيقة قاسية: كثير من الحروب التي عرفتها منطقتنا لم تكن صاعقة هبطت من السماء، بل كانت نتيجة مقدمات واضحة، وإشارات مبكرة، وتصعيد تدريجي كان يمكن قراءته لمن أراد أن يرى.
التاريخ يعلمنا أن الحروب لا تبدأ يوم إطلاق الرصاصة الأولى. بل تبدأ قبل ذلك بسنوات، عندما تتراكم الأزمات دون حل، ويتحول الخلاف السياسي إلى صراع نفوذ، ثم إلى مواجهة مفتوحة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بقوة: إذا كان فنان، بحسّه الإنساني وببصيرته الساخرة، استطاع أن يلمح إلى أن الحرب قد تكون “مطبوخة”، فكيف يعجز السياسيون – وهم يملكون أجهزة التحليل والمعلومات ومراكز الدراسات – عن رؤية ما يراه الجميع؟
أم أن المشكلة ليست في العجز عن الرؤية، بل في تجاهل ما هو واضح؟
السياسة في جوهرها وُجدت لمنع الحروب لا لتبريرها بعد وقوعها. وُجدت لتبريد الأزمات قبل أن تتحول إلى حرائق. لكن حين تتحول السياسة إلى لعبة مصالح ضيقة، وحين يصبح الصراع على النفوذ أهم من استقرار الشعوب، فإن الطريق إلى الحرب يصبح أقصر مما نتصور.
في الشرق الأوسط، يبدو المشهد وكأنه يتكرر بلا توقف. توترات تتصاعد، تحالفات تتغير، سباق تسلح يشتد، وخطابات متبادلة تزداد حدة. ثم فجأة، يقال لنا إن الحرب اندلعت لأن الظروف انفجرت فجأة.
لكن الحقيقة أن الظروف لا تنفجر فجأة. إنها تتراكم بصمت، عامًا بعد عام، حتى تصل إلى لحظة الانفجار.
والثمن دائمًا واحد: شعوب تدفع فاتورة لم تشارك في كتابتها. مدن تتضرر، اقتصادات تتراجع، وأجيال كاملة تعيش في ظل القلق وعدم الاستقرار.
المفارقة المؤلمة أن كثيرًا من هذه الحروب كان يمكن تجنبها. كان يمكن احتواؤها بالدبلوماسية، أو تخفيف حدتها بالحوار، أو على الأقل منعها من التوسع قبل أن تتحول إلى صراع مفتوح.
لكن حين تفشل السياسة في قراءة اللحظة، أو حين تتغلب الحسابات الضيقة على الحكمة، يصبح المسرح أحيانًا أكثر صدقًا من قاعات السياسة.
ربما لهذا بقيت عبارة حسين عبد الرضا عالقة في الذاكرة. لأنها لم تكن مجرد سخرية، بل كانت تعبيرًا عن شعور يعرفه كثيرون: أن الحروب ليست دائمًا مفاجئة، بل كثيرًا ما تكون نتيجة قرارات بشرية يمكن تجنبها لو توفرت الإرادة.
وفي النهاية، قد يتغير ميزان القوى، وقد يعيد الساسة رسم خرائط النفوذ كما يشاؤون. لكن الحقيقة التي لا تتغير هي أن الشعوب هي التي تدفع الثمن الأكبر… كل مرة.

