لندن: محمد الطّورة
استناداً إلى خبرتي المتراكمة في العمل العام، وما شهدته شخصياً من آثار بعض القرارات الإدارية التي لم تحظَ بالدراسة القانونية الكافية قبل صدورها، أجد من واجبي أن أطرح هذه المسألة بروح المسؤولية الوطنية والحرص الصادق على سلامة الأداء المؤسسي.
وإنني، إذ أستحضر ما يتمتع به دولة رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان من خبرة طويلة في مواقع ومناصب قيادية متعددة، وما عُرف عنه من متابعة دقيقة لشؤون الإدارة العامة وحرص على ترسيخ مبادئ العدالة والمشروعية، أتوجه إلى دولته راجياً التفضل بالاطلاع على هذا المقال. ويغمرني يقين راسخ بأن اطلاعه عليه سيكون كفيلاً بإطلاق مراجعة جادة لهذا الواقع، واتخاذ التوجيهات اللازمة لتصويب المسار، بما يكفل حماية حقوق الأفراد، وصون المال العام، وتعزيز الثقة بقرارات مؤسسات الدولة لما فيه خير الجميع.
إن تكرار صدور أحكام قضائية قطعية لصالح موظفين ضد وزارات ومؤسسات حكومية وأخرها القرار الذي صدر هذا اليوم ،لم يعد مجرد حالات فردية معزولة، بل أصبح ظاهرة تستحق التوقف عندها بجدية. فعندما يحكم القضاء بإلغاء قرارات إدارية بسبب التعسف في استعمال السلطة أو مخالفة القانون أو الانحراف بالغاية، فإن الأمر لا يقتصر على تصحيح خطأ إجرائي، بل يكشف عن خلل أعمق في آلية صناعة القرار داخل بعض الجهات الرسمية.
الأصل في القرار الإداري أنه يصدر لتحقيق المصلحة العامة وفي إطار المشروعية. غير أن الواقع العملي يبين أحياناً أن بعض القرارات تُتخذ بصورة متسرعة، أو بدوافع شخصية، أو دون إحاطة قانونية كافية، مما يجعلها عرضة للطعن والإلغاء. وعندما تتكرر هذه الإلغاءات القضائية ضد جهة بعينها، فإن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هو: من يتحمل المسؤولية الحقيقية عن هذا النزيف الإداري والمالي والمعنوي؟
من الناحية القانونية، تتحمل الجهة الإدارية كشخص معنوي عام تبعات الحكم القضائي، فتلتزم بتنفيذه وقد تدفع تعويضات من المال العام. إلا أن المسؤولية المؤسسية لا تعني بالضرورة غياب المسؤولية الشخصية. فإذا كان القرار قد صدر بسوء نية أو بإهمال جسيم أو بانحراف واضح عن مقتضيات القانون، فإن من أصدره يجب أن يخضع للمساءلة الإدارية، بل وقد تقوم بحقه مسؤولية مدنية أو جزائية بحسب الأحوال. غير أن التطبيق العملي كثيراً ما ينتهي إلى تحميل الخزينة العامة كلفة الخطأ، في حين يبقى المتسبب بمنأى عن المساءلة الفعلية، وهو ما يضعف الردع ويشجع على تكرار الأخطاء.
إن تكرار الدعاوى القضائية ضد وزارة معينة لا يعني بالضرورة سوء نية مؤسسية، لكنه يكشف غالباً عن ضعف في منظومة التدقيق القانوني الداخلي، أو عن غياب ثقافة قانونية راسخة لدى بعض متخذي القرار. فالقرار الإداري ليس تعبيراً عن إرادة شخصية، بل هو تصرف قانوني يخضع لرقابة القضاء ويجب أن يقوم على سبب صحيح وغاية مشروعة وإجراءات سليمة. وحين يُختزل القرار في اعتبارات آنية أو شخصية، يتحول إلى عبء قانوني على الجهة بدلاً من أن يكون أداة لتنظيم المرفق العام.
من هنا تبرز أهمية التساؤل حول جدوى انتداب قاضٍ أو قانوني ممارس للعمل داخل بعض الوزارات، لا سيما تلك التي تتكرر ضدها الأحكام القضائية. فوجود مستشار قانوني مستقل وفاعل قبل صدور القرار قد يشكل صمام أمان يحول دون الوقوع في مخالفات يمكن تلافيها بسهولة. إن التدقيق المسبق لا ينتقص من سلطة المسؤول الإداري، بل يحميه من الوقوع في الخطأ ويحصن قراراته من الإلغاء، ويصون المال العام من الهدر.
غير أن الحل لا يكمن فقط في وجود قانوني داخل المؤسسة، بل في منحه الاستقلالية والاعتبار اللازمين، وفي إلزام الإدارة بأخذ رأيه بجدية. فالرأي القانوني إذا كان شكلياً أو يمكن تجاهله دون مساءلة، فلن يحقق الغاية المرجوة. كما أن تفعيل مبدأ المساءلة، وخاصة في حال تكرار إلغاء القرارات للسبب ذاته، يمثل خطوة أساسية لإعادة الانضباط إلى منظومة اتخاذ القرار.
إن احترام أحكام القضاء لا يقتصر على تنفيذها بعد صدورها، بل يبدأ من استحضار مبادئها عند صناعة القرار الإداري. فالقضاء الإداري لا يعمل في مواجهة الإدارة بقدر ما يشكل ضمانة لتوازن السلطة وحماية الحقوق. وكل حكم بالإلغاء هو في جوهره رسالة تصحيح، ينبغي أن تُقرأ بعين الإصلاح لا بعين الخصومة.
في نهاية المطاف، لا يتعلق الأمر بتقييد صلاحيات المسؤولين أو بإبطاء العمل الإداري، بل بترسيخ ثقافة مؤسسية قوامها المشروعية والمساءلة. فالدولة القوية ليست تلك التي تصدر قرارات كثيرة، بل تلك التي تصدر قرارات سليمة تصمد أمام رقابة القضاء، وتحفظ كرامة الموظف، وتصون المال العام، وتعزز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

