لندن: محمـد الطّـورة
بين المبادرة الفردية ومتطلبات الثقة: قراءة وطنية في بيئة العمل الإعلامي
بوصفي مواطنًا راكم تجربة ممتدة في العمل العام، فإنني لا أتعامل مع أي الأسئلة تطرح أمامي بوصفها مجرد عبارات تُقال، بل بوصفها إشارات تحمل ما وراءها. فخبرة السنوات لا تُكسب صاحبها فقط معرفة بالإجراءات، بل تمنحه قدرة على قراءة ما بين السطور، وفهم السياقات التي تُطرح فيها الأسئلة، والغايات التي يُراد الوصول إليها دون التصريح بها.
لقد مررت، في مواقع مختلفة، بتجارب كثيرة كنت فيها سائلًا ومسؤولًا، وأدرك تمامًا كيف تُصاغ بعض الأسئلة لتبدو مهنية في ظاهرها، بينما تحمل في عمقها مقاصد أخرى، قد تمتد إلى خارج نطاق الموضوع المطروح. لذلك، حين تُطرح تساؤلات تُحمَّل بإيحاءات تتعلق بعلاقات شخصية أو خلفيات غير ذات صلة، يصبح واضحًا أن النقاش لم يعد يدور حول الفكرة بحد ذاتها، بل حول ما يُراد ربطها به.
والمفارقة أن البعض يتعامل مع هذه الأساليب وكأنها تمرّ دون إدراك، متصورًا أن الطرف الآخر لا يملك مفاتيح القراءة نفسها، بينما الحقيقة أن من خبر هذا النوع من العمل، يميّز المقصود حتى وإن لم يُقال صراحة، ويقرأ الاتجاه قبل أن يُعلن.
لم يعد خافيًا أن إطلاق أي مشروع إعلامي في بعض الدول العربية، مهما كان حجمه أو طبيعته، يمرّ بسلسلة من الإجراءات والتدقيقات التي يُفترض أن توازن بين حرية العمل الإعلامي ومتطلبات التنظيم والمسؤولية. وهذا أمر مفهوم ومطلوب في دولة تسعى إلى حماية فضائها العام وضمان مهنية الخطاب الإعلامي.
لكن ما يثير التساؤل، ويستحق وقفة جادة، هو حين تتحول بعض هذه الإجراءات من أدوات تنظيم إلى مسارات غير واضحة المعايير، تختلط فيها الاعتبارات المهنية بعوامل أخرى لا علاقة لها بجوهر المشروع نفسه.
أدرك جيداً أنه حين يتقدّم صاحب فكرة إعلامية بطلب ترخيص، فمن الطبيعي أن يُسأل عن:
طبيعة المشروع
مصادر التمويل
التوجه التحريري
الشركاء والكوادر
فهذه أسئلة مشروعة، بل ضرورية. لكن الإشكالية تبدأ عندما يتجاوز النقاش إطار المشروع إلى خلفيات شخصية وعشائرية، أو علاقات اجتماعية، أو تفسيرات غير مباشرة لدوافع المبادرة. بل ويتعدى ذلك أحيانًا إلى التساؤل عن اختيار اسم المشروع بحد ذاته، أو سبب إطلاقه داخل البلد تحديدًا، حتى في الحالات التي يكون فيها صاحب المبادرة من أبناء هذا الوطن، يحمل جنسيته، وإن كان يقيم خارجه، وكأن الانتماء بحاجة إلى تبرير، أو أن المبادرة الوطنية مشروطة بالجغرافيا لا بالهوية.
وفي سياق قراءة المؤشرات، لا يحتاج الأمر إلى اجتهاد استثنائي لفهم ما يجري. فالمكتوب يُقرأ من عنوانه. وحين يكون لديك عنصر مهني محوري يرتكز عليه المشروع، ثم ينسحب دون سابق إنذار، ويلتحق بعمل آخر بكل سهولة ويسر، فإن ذلك لا يحتاج إلى “ضرب المندل” لمعرفة أسبابه. مثل هذه التحولات المفاجئة تحمل دلالاتها الواضحة، وتشي ببيئة ضاغطة أو رسائل غير مباشرة تُدفع باتجاهات معينة — وهي أسباب أعلمها ويدركها من خبر هذا المجال، حتى وإن لم تُقال صراحة.
في مثل هذه الحالات، يشعر صاحب المشروع أن المسألة لم تعد تتعلق بجدوى الفكرة أو قانونيتها، بل بمدى توافقه مع شبكات غير مكتوبة من “التنسيق” أو “الأسبقية” أو حتى “الرضا الضمني”.
وهنا تكمن المعضلة.
فالدولة التي نطمح إليها — دولة المؤسسات والقانون — يجب أن تقوم على مبدأ واضح: تكافؤ الفرص أمام الجميع، ضمن إطار قانوني شفاف ومعلن.
أما إذا أصبح النجاح في إطلاق مشروع مرهونًا بفهم “المسارات غير الرسمية”، أو مراعاة اعتبارات خارج النص القانوني، فإننا نكون أمام بيئة تُضعف روح المبادرة، وتدفع بالكفاءات إلى التردد أو الانسحاب.
ولا يقف أثر ذلك عند حدود الداخل فقط، بل يمتد إلى الخارج. ففي ظل بيئة يشعر فيها المستثمر أو المستشار الإعلامي بأن مشروعه قد يُقيَّم بناءً على خلفياته أو علاقاته، لا على أساس فكرته والتزامه المهني، يصبح البحث عن بدائل أمرًا طبيعيًا.
ولهذا نلاحظ أن عددًا كبيرًا من المواقع الإخبارية والصحف العربية بات يُؤسَّس ويُدار من خارج المنطقة، خصوصًا في الدول الغربية، حيث تتوفر بيئات أكثر وضوحًا واستقرارًا من حيث:
حرية التعبير
وضوح الإجراءات
غياب الشكوك المرتبطة بالخلفيات الشخصية أو العائلية
الاعتماد على القانون كمرجعية وحيدة
وهنا تكمن الخسارة الصامتة.
ومن الزوايا التي نادرًا ما يُشار إليها صراحة، تلك الحالات التي تتقاطع فيها الاختصاصات أو تتداخل فيها الأدوار بين جهات مختلفة، فيتحول الإنجاز — بدل أن يكون مكسبًا مؤسسيًا جامعًا — إلى ساحة تنافس غير معلن على “أحقية” احتسابه. وفي مثل هذه الأجواء، قد يُنظر إلى المبادرة الفردية لا بوصفها قيمة مضافة للدولة، بل باعتبارها مسارًا كان ينبغي أن يمر عبر جهة بعينها أو بتنسيق مسبق معها.
هذه الحساسية، وإن كانت مفهومة في سياق الحرص على التنظيم وتوحيد المرجعيات، إلا أن إدارتها بأسلوب غير واضح قد تُربك صاحب المشروع وتُبعد النقاش عن جوهر الفكرة إلى اعتبارات شكلية. والأجدر أن تُحتسب النجاحات لصالح الدولة ككل، وأن تُدار العلاقة بين الجهات بروح تكامل لا تنافس، بحيث تُسهَّل المبادرات التي تخدم المصلحة العامة بدل أن تُثقل بتقاطعات غير ضرورية.
فبدل أن تكون هذه الطاقات والاستثمارات جزءًا من الاقتصاد الوطني، ومساهمة في تطوير الخطاب الإعلامي المحلي، نجدها تُهاجر بحثًا عن بيئة أكثر احتضانًا ووضوحًا.
الإعلام تحديدًا، ليس مجرد نشاط اقتصادي أو مهني، بل هو أحد سلطات الدولة المهمة وركيزة من ركائز الوعي الوطني. وفتح المجال أمام مبادرات إعلامية جديدة — مسؤولة ومهنية — يعزز التعددية، ويثري النقاش العام، ويخدم الدولة قبل أي طرف آخر.
إن حماية الوطن لا تكون بتضييق المساحات، بل بتنظيمها بعدالة. ولا تكون بمساءلة النوايا، بل بتقييم الأفعال وفق القانون.
ومن هنا، فإن الحاجة اليوم ليست فقط إلى تسهيل الإجراءات، بل إلى:
ترسيخ معايير واضحة لا لبس فيها
الفصل التام بين الشخصي والمؤسسي
تعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات
لأن الثقة، في نهاية المطاف، هي أساس الاستقرار.
إن أي تجربة شخصية في هذا السياق، مهما بدت فردية، تعكس في جوهرها سؤالًا وطنيًا أكبر: كيف نبني بيئة تشجع المبادرة، دون أن تُربكها؟ وكيف نوازن بين الرقابة المشروعة، والحرية المسؤولة؟
ومع كل ذلك لن تثنيني التحديات ولن توقف مسيرتي؛ سأواصل ممارسة حقي في تقديم إعلام حر، مهني، ونزيه، مؤمنًا بأن الحقيقة رسالة لا تنكسر. لن ألتفت إلى الوراء، فأنا ابن هذه الدولة، حملتُ اسمها وخدمتُها بإخلاص، وما زلت أحمل في داخلي حب الوطن والولاء لقيادته الهاشمية، ذلك الانتماء الذي يسكنني منذ البدايات.
وللحديث بقية..

