لندن: محمد الطّورة
في زمنٍ تتكاثف فيه الغيوم فوق سماء المنطقة، وتتعالى فيه أصوات المدافع أكثر من أصوات الأسواق، يبرز سؤالٌ مؤلم لكنه ضروري: هل أصبحت أخبار أسعار الألبسة والأحذية أولويةً في وعي المجتمع، بينما المنطقة بأسرها تعيش على حافة القلق والاضطراب؟
ليس في الأمر انتقاص من حاجات الناس اليومية؛ فالحياة لا تتوقف، والأسواق جزء طبيعي من نبض المجتمعات. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الهامش إلى متن، والضروري إلى ثانوي، والثانوي إلى قضية كبرى تشغل النقاش العام وتتصدر العناوين.
إن الحديث عن استقرار أسعار الألبسة أو احتمال تأخر الشحنات قبل العيد قد يكون خبراً اقتصادياً عادياً في ظروف طبيعية. أما في لحظة تاريخية مثقلة بالحروب والدمار والتحولات العميقة التي تضرب المنطقة، فإن تضخيم مثل هذه الأخبار يثير تساؤلات مشروعة حول ترتيب الأولويات في الخطاب الإعلامي والاجتماعي.
الأردن، بحكم موقعه الجغرافي والسياسي، ليس بعيداً عن ارتدادات ما يجري حوله. فالحروب لا تتوقف عند حدود الخرائط، بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد والأمن الاجتماعي والنفسي. وفي مثل هذه الظروف، يصبح من الحكمة أن يتجه الوعي العام نحو القضايا الكبرى: الاستقرار، الأمن، التضامن الاجتماعي، والاستعداد للتحديات القادمة.
الفلسفة السياسية والاجتماعية تعلمنا أن المجتمعات القوية هي تلك التي تعرف متى تعيد ترتيب سلّم اهتماماتها. ففي أوقات الرخاء يمكن للنقاش أن يتسع لكل شيء، أما في أوقات العواصف فالأولوية تكون لما يحفظ السفينة من الغرق.
ليس المطلوب إلغاء الحديث عن الاقتصاد والأسواق، فهذه جزء من حياة الناس. لكن المطلوب هو الاعتدال في الوزن والتقدير؛ أن ندرك أن الأخبار ليست مجرد معلومات، بل هي أيضاً إشارات توجه وعي المجتمع نحو ما ينبغي أن يقلق بشأنه.
حين تتصدر أخبار الألبسة العناوين بينما تعيش المنطقة اضطراباً تاريخياً، فإن الخشية ليست من الخبر ذاته، بل من تسطيح الإحساس العام بخطورة المرحلة. فالمجتمعات التي تنشغل بالتفاصيل الصغيرة في زمن التحولات الكبرى قد تجد نفسها متأخرة في فهم ما يجري حولها.
إن الحكمة تقتضي أن يكون خطابنا الإعلامي والاجتماعي أكثر وعياً بالسياق. فالعيد سيأتي، والأسواق ستستمر، والملابس ستُشترى وتُباع. لكن الأوطان لا تُحفظ إلا بوعيٍ يقظ، ونظرٍ بعيد، وإدراكٍ عميق بأن ما يحدث حولنا أكبر بكثير من خبرٍ عن شحنة ألبسة قد تتأخر بضعة أيام.
ربما يكون السؤال الأهم الذي ينبغي أن نطرحه ليس: هل سترتفع الأسعار؟
بل: هل نحن ندرك حجم اللحظة التاريخية التي نعيشها؟
فبين ضجيج الأسواق وصخب الأخبار، تبقى الحقيقة الأعمق أن الأمم تُقاس بوعيها قبل أن تُقاس باستهلاكها.

