لندن: محمد الطّورة
خبرة رؤساء الحكومات والمسؤولين السابقين مطلوبة عالمياً، والعمل الاستشاري بعد المنصب ليس جريمة ولا دليلاً على إفشاء أسرار الدولة.
اتهام بلا دليل… هل أصبحت سمعة رجال الدولة ورقة في الجدل السياسي؟
تابعتُ بقلق وانزعاج، بصفتي مواطناً أردنياً يعيش في المملكة المتحدة ويدير موقعاً إخبارياً يحرص دائماً على إبراز صورة الأردن ونظامه ومؤسساته ومواطنيه، ما أثير أخيراً من حديث حول عمل أحد رؤساء الوزراء السابقين في الأردن لدى دولة أجنبية. لم يكن مصدر الانزعاج مجرد تداول خبر أو تساؤل سياسي، فهذا أمر طبيعي في أي نقاش عام، وإنما الطريقة التي ألمح بها الطرح إلى احتمال إفشاء أسرار الدولة، وهي تهمة خطيرة عندما تُطرح بهذه السهولة ومن دون تقديم أي حقائق أو أدلة واضحة.
فالإيحاء بأن مسؤولاً أردنياً سابقاً قد يفرّط بأسرار الدولة لمجرد عمله في الخارج بعد انتهاء خدمته العامة، هو أمر يحمل في طياته ظلماً كبيراً ليس فقط لذلك الشخص، بل أيضاً لصورة الدولة الأردنية ومؤسساتها التي يفترض أنها تخرّج رجال دولة يدركون جيداً معنى المسؤولية الوطنية وحدودها.
من المهم هنا أن نضع الأمور في سياقها الصحيح. ففي عالم السياسة والإدارة العامة، ليس من غير المألوف أن يعمل رؤساء حكومات أو رؤساء دول أو كبار المسؤولين بعد انتهاء خدمتهم الرسمية في مواقع دولية مختلفة. فهؤلاء الأشخاص راكموا خلال سنوات عملهم خبرات سياسية وإدارية واستراتيجية واسعة، وغالباً ما تسعى المؤسسات الدولية والحكومات والجامعات ومراكز الدراسات إلى الاستفادة من هذه الخبرات.
ولعل المثال الأبرز في هذا السياق هو رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، الذي تولى بعد مغادرته منصبه عدة أدوار دولية، من بينها منصب مبعوث اللجنة الرباعية الدولية للسلام في الشرق الأوسط، إضافة إلى عمله مستشاراً لعدد من الحكومات والمؤسسات الدولية. ولم يُنظر في بريطانيا إلى تلك الأدوار على أنها انتقاص من مكانة الدولة أو تشكيك في ولاء الرجل لبلاده، بل اعتُبرت امتداداً طبيعياً لمسيرته السياسية وخبرته الدولية.
الأمر نفسه ينطبق على العديد من القادة في العالم. فالرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون أسس مؤسسة دولية تنشط في مجالات التنمية والصحة والتعليم في عشرات الدول، فيما انخرط الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما بعد انتهاء ولايته في العمل الفكري والأكاديمي وإلقاء المحاضرات في كبرى الجامعات والمؤسسات العالمية. كما أن العديد من رؤساء الحكومات الأوروبية السابقين انتقلوا بعد انتهاء خدمتهم العامة إلى العمل في مؤسسات اقتصادية دولية أو شركات عالمية أو مراكز بحثية مرموقة.
وفي أوروبا أيضاً، عمل رئيس المفوضية الأوروبية السابق جوزيه مانويل باروزو بعد انتهاء ولايته في مؤسسات مالية دولية، وهو أمر لم يُعتبر خيانة أو إفشاءً لأسرار الاتحاد الأوروبي، بل جزءاً من الحركة الطبيعية للخبرات القيادية في العالم المعاصر.
هذه الأمثلة تؤكد أن انتقال المسؤولين السابقين إلى العمل الاستشاري أو الأكاديمي أو الدولي بعد انتهاء مناصبهم هو ممارسة شائعة في الأنظمة السياسية الحديثة. بل إن طلب خبراتهم يعد في كثير من الأحيان اعترافاً بقيمتهم المهنية وبالخبرة التي اكتسبوها خلال خدمتهم العامة.
أما في الحالة الأردنية، فإن التجربة الوطنية تقدم نموذجاً واضحاً على مستوى الثقة التي تحظى بها الكفاءات الأردنية في الخارج. فقد عمل عبر العقود عدد غير قليل من الأردنيين الذين شغلوا مناصب مدنية أو عسكرية رفيعة في دول عربية أو مؤسسات إقليمية ودولية، مستفيدين من خبراتهم في مجالات الإدارة والأمن والتخطيط الاستراتيجي والتعليم.
ومن المعروف أن بعض المسؤولين الأردنيين السابقين، بمن فيهم وزراء ومدراء أجهزة أمنية وعسكرية متقاعدون، قدموا خبراتهم الاستشارية لعدد من الدول العربية التي كانت حريصة على الاستفادة من التجربة المؤسسية الأردنية. ومع ذلك، لم يُسجل على مدى عقود أي حادثة تشير إلى إفشاء أسرار الدولة الأردنية أو الإضرار بمصالحها الوطنية.
ويرتبط ذلك بطبيعة الدولة الأردنية ونظامها السياسي القائم على المؤسسات، وبالثقافة المهنية التي يتمتع بها المسؤول الأردني، سواء في العمل المدني أو العسكري. فالمسؤول الذي يغادر موقعه الرسمي لا يغادر معه التزامه الأخلاقي والقانوني بالحفاظ على أسرار الدولة ومصالحها العليا.
كما أن الثقة التي تحظى بها الخبرات الأردنية في الخارج ليست وليدة الصدفة، بل هي انعكاس لسمعة الأردن في مجالات الإدارة والحكم الرشيد والعمل المؤسسي في ظل النظام الهاشمي. ولهذا السبب، كثيراً ما تلجأ دول عربية ومؤسسات إقليمية إلى الاستفادة من الخبرات الأردنية التي عُرفت بالكفاءة والانضباط والاحتراف.
ومن هنا، فإن تحويل مسألة عمل مسؤول سابق في الخارج إلى شبهة سياسية أو تلميح إلى خيانة محتملة، قد يخلق انطباعات سلبية غير مبررة، ويسيء – من حيث لا يُقصد – إلى سمعة الكفاءات الأردنية التي تحظى بالاحترام في العديد من الدول.
إن النقاش العام حول قضايا الدولة أمر صحي ومطلوب، لكن من المهم أن يستند إلى معلومات دقيقة وأن يُطرح بلغة مسؤولة، خاصة عندما يتعلق الأمر بسمعة أشخاص خدموا الدولة لسنوات طويلة، وبصورة بلد نعتز جميعاً به.
فالأردن دولة مؤسسات، وأسرار الدولة ليست ملكاً لأفراد بل محفوظة في منظومة قانونية ومؤسسية واضحة. ومن عمل في مواقع المسؤولية العليا يدرك جيداً أن شرف الخدمة العامة لا ينتهي بانتهاء المنصب.
وفي النهاية، فإن الخبرة التي يكتسبها رجال الدولة خلال خدمتهم ليست عبئاً على بلادهم، بل رصيداً لها. وعندما تسعى دول أو مؤسسات دولية للاستفادة من تلك الخبرات، فإن ذلك يعكس – في كثير من الأحيان – تقديراً للدولة التي خرج منها هؤلاء القادة، وليس العكس.

