لندن: محمد الطّورة
حين يتحول المنصب إلى غنيمة: أزمة الإقصاء وتغليب المصالح الضيقة على العمل المؤسسي
بدافع الحرص الصادق على وطني الأردن، وإيماناً بأن قوة الدول تُقاس بمتانة مؤسساتها لا بأسماء شاغلي المناصب فيها، وجدت نفسي أمام مسؤولية أخلاقية تدفعني لكتابة هذا المقال. فهو لا يأتي من باب النقد لمجرد النقد، بل من باب الغيرة على مصلحة عامة أراها اليوم تواجه تحدياً حقيقياً، يتمثل في تراجع مفاهيم العمل المؤسسي لصالح الاجتهادات الفردية والاعتبارات الضيقة.
ومن خلال متابعتي لما يحدث عند كل تغيير في المواقع القيادية على مختلف المستويات، برزت أمامي ظاهرة مقلقة تتكرر بشكل لافت، حيث يتم إقصاء بعض الكفاءات أو تعطيل مساراتها، ليس بناءً على تقييم مهني دقيق، بل بدوافع الخوف من المنافسة أو الرغبة في التفرد بالقرار. وقد وصل الأمر في بعض الحالات إلى حد الوقوف في وجه منح ألقاب أو مواقع مستحقة لأشخاص يمتلكون من الخبرة والتجربة ما يؤهلهم لذلك، في الوقت الذي مُنحت فيه تلك الألقاب لآخرين لا ترتقي خبراتهم أو مواقعهم لنيلها.
إن ما يدفعني لطرح هذا الموضوع ليس تسجيل موقف، بل محاولة لفتح نقاش مسؤول حول واحدة من أبرز التحديات التي تواجه العمل المؤسسي في وطننا، والسعي لطرح حلول تعيد الاعتبار للكفاءة، وتُحصّن المؤسسات من القرارات الفردية التي قد تُضعفها على المدى البعيد.
في كثير من الدول التي تعاني من ضعف ترسيخ العمل المؤسسي، تتكرر هذه الظاهرة المقلقة والتي تتمثل في قيام بعض كبار المسؤولين، فور تسلمهم مناصبهم، بإقصاء الكفاءات التي سبقتهم أو التي تشغل مواقع متقدمة في الصف الثاني. لا يكون هذا الإقصاء غالباً نتيجة تقييم مهني موضوعي، بل بدافع الخوف من المنافسة أو الرغبة في إحكام السيطرة على مفاصل القرار. وهنا تبدأ خسارة صامتة، لكنها عميقة الأثر، تتجلى في إضعاف المؤسسات وإهدار الخبرات المتراكمة.
إن المؤسسات لا تُبنى بالأفراد العابرين، بل بالتراكم المعرفي والخبرة الممتدة. وعندما يتم استبعاد أصحاب التجربة لمجرد أنهم قد يشكلون تهديداً محتملاً للمسؤول الجديد، فإن المؤسسة تدخل في حالة من الانقطاع، حيث تُفقد الذاكرة المؤسسية، وتُعاد الأخطاء ذاتها، ويُهدر الزمن في إعادة التعلم من الصفر.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تتفاقم المشكلة عندما تتداخل الاعتبارات العائلية أو العشائرية في التعيينات. ففي بعض الحالات، يسعى أفراد من عشيرة واحدة إلى إقصاء غيرهم أو حتى تجنب تعيين أقاربهم من نفس العائلة، ليس بدافع النزاهة، بل لإخلاء الساحة لأنفسهم واحتكار النفوذ. وهنا تتحول الوظيفة العامة من خدمة وطنية إلى مجال للصراع الضيق، وكأن المناصب إرث دائم لا تداول فيه.
هذا السلوك يعكس خللاً عميقاً في فهم طبيعة السلطة العامة. فالمنصب ليس ملكاً شخصياً، بل مسؤولية مؤقتة تُدار وفق قواعد ومعايير واضحة. وعندما يُختزل القرار في شخص واحد بعيداً عن آليات التقييم المؤسسي، تصبح القرارات رهينة المزاج الشخصي، وتغيب العدالة، ويُفتح الباب واسعاً أمام الفشل الإداري.
واللافت للنظر أن التاريخ الإداري في كثير من الدول يقدم مفارقة صارخة: كم من مسؤول أو موظف تم إقصاؤه في مرحلة ما، ثم عاد لاحقاً إلى ذات المؤسسة، بل وإلى منصب أعلى، بعد أن أثبتت الأيام خطأ القرار السابق. هذه الحالات ليست استثناء، بل دليل على أن الإقصاء لم يكن مبنياً على أسس مهنية، بل على حسابات ضيقة سرعان ما تنكشف هشاشتها.
إن معالجة هذه الظاهرة تتطلب إعادة الاعتبار لمبدأ العمل المؤسسي، عبر:
-
ترسيخ معايير واضحة وشفافة للتعيين والإقالة.
-
تعزيز دور الهيئات الرقابية لضمان عدم التعسف في استخدام السلطة.
-
حماية الكفاءات ومنع إقصائها لأسباب غير مهنية.
-
الفصل بين الاعتبارات الشخصية والعائلية وبين متطلبات الوظيفة العامة.
في النهاية، لا يمكن لأي مؤسسة أن تنجح إذا كانت تُدار بعقلية الإقصاء والخوف. فالقائد الحقيقي لا يخشى الكفاءات، بل يستند إليها، ويصنع منها قوة إضافية تعزز نجاحه ونجاح المؤسسة. أما من يبني سلطته على إضعاف الآخرين، فإنه في الحقيقة يضعف نفسه، حتى وإن بدا في لحظة ما مسيطراً على المشهد.
إن الدول التي تتقدم هي تلك التي تحترم الخبرة، وتؤمن بالتكامل لا الإقصاء، وبالتنافس الشريف لا الاحتكار. وما لم يتم كسر هذه الحلقة المفرغة، ستبقى المؤسسات تدور في فلك الأفراد، بدل أن تكون أقوى منهم وأكثر استدامة.

