لندن: محمد الطّورة
من خلال ما شهدته بعيني وما تابعته عبر سنوات طويلة، يلفت الانتباه ذلك الميل المتزايد لدى بعض الناس ــ رجالًا ونساءً ــ إلى إظهار ما يملكونه من مال ونعم في صورٍ من الاستعراض الصارخ ومظاهر البذخ المبالغ فيها. ولعل ما يغيب عن أذهان كثيرين أن هذا التفاخر العلني لا يترك في نفوس الناس أثر الإعجاب كما يُظن، بل يوقظ في القلوب شعورًا بالاستياء، ويفتح أبواب الحديث والظنون، بل وقد يدفع البعض إلى التساؤل والتشكيك في مصادر تلك الثروات التي تُعرض بهذا الشكل الفج أمام أعين الآخرين.
لقد عشت معظم سنوات عمري في الغرب، وفي الولايات المتحدة على وجه الخصوص، وتابعت عن قرب أنماط الحياة هناك في مختلف طبقات المجتمع. وما استوقفني دائمًا أن الثراء، مهما بلغ حجمه، غالبًا ما يظل محاطًا بقدرٍ كبير من الخصوصية والاعتدال في إظهاره. فالتواضع في المظهر والسلوك ليس مجرد اختيار شخصي فحسب، بل هو جزء من ثقافة عامة تقوم على احترام مشاعر الآخرين وتقدير الظروف المختلفة التي يعيشها الناس.
بل إن اللافت أكثر أن هذا السلوك يبدو أكثر وضوحًا لدى من هم في مواقع السلطة والمسؤولية، حيث يُنظر إلى البساطة والابتعاد عن مظاهر الترف المبالغ فيه باعتبارهما علامة نضجٍ ووعيٍ اجتماعي، ورسالة احترام للمجتمع الذي وُضعت ثقتُه فيهم.
وفي عالمٍ تتسع فيه الفجوة بين الغني والفقير، يبقى الشعور الإنساني هو الجسر الوحيد الذي يمكن أن يخفف من قسوة هذه الهوة. إن الثروة في ذاتها ليست خطأ، ولا النجاح في الحياة عيبًا، لكن الطريقة التي نتعامل بها مع الآخرين، خصوصًا مع الفقراء والمحتاجين، هي التي تعكس حقيقة إنسانيتنا.
إن كثيرًا من الفقراء لا يحسدون الأغنياء على ما يملكون، بقدر ما يتألمون من مظاهر التفاخر المفرط التي قد تُعرض أمامهم بلا اكتراث بمشاعرهم. فحين يرى المحتاج ما لا يستطيع توفير أبسطه لأطفاله، ثم يُعرض أمامه البذخ وكأنه أمر عادي أو حتى وسيلة للتفاخر، فإن ذلك قد يضاعف شعوره بالعجز والمرارة.
لذلك فإننا نناشد الأغنياء وكبار المسؤولين، ومعهم عائلاتهم الكريمة، أن يراعوا في أساليب حياتهم اليومية قدرًا من الحس الإنساني والتواضع. ليس المقصود أن يحرم الإنسان نفسه مما رزقه الله، ولكن أن يتحلى بالحكمة في إظهار ذلك، وأن يتذكر دائمًا أن حوله من يكافحون يوميًا لتأمين لقمة العيش.
إن التواضع في اللباس، والاعتدال في المظاهر، ومراعاة مشاعر الآخرين في الطعام والشراب والسفر والسكن، ليست قيودًا على الحرية، بل هي تعبير راقٍ عن النبل والوعي الاجتماعي. فالمجتمعات لا تقاس بما يملكه الأغنياء فيها فقط، بل بمدى شعورهم بالمسؤولية تجاه من هم أقل حظًا.
ولنتذكر جميعًا حقيقة لا يختلف عليها أحد: أن نهاية الإنسان واحدة، مهما بلغت ثروته أو مكانته. قطعة قماش بيضاء، وحفرة في الأرض لا تتجاوز مساحتها مترين. وربما، في بعض الأحوال، يعتمد الإنسان حتى في دفنه على رحمة الآخرين.
لذلك فإن أعظم ما يتركه الإنسان بعد رحيله ليس القصور والأزياء الفاخرة ولا الأرصدة، بل الأثر الطيب في قلوب الناس، والرحمة التي عامل بها الضعفاء، والكرامة التي حفظها للفقراء.
فلنجعل من إنسانيتنا معيارًا لحياتنا، ولنتذكر دائمًا أن الكرامة الإنسانية لا تُقاس بما نملك، بل بما نشعر به تجاه الآخرين.
أرجو أن تكون وصلت الرسالة وللحديث بقية…

