العموم نيوز: 2 أذار 2023- في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، جاء الاتصال الذي جرى اليوم بين جلالة الملك عبدالله الثاني والرئيس الأمريكي Donald Trump ليؤكد أن الأردن ليس متفرجاً على ما يجري، بل شريك فاعل في الجهود الرامية إلى احتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع. فالمنطقة تقف على حافة صراع مفتوح تتداخل فيه الحسابات الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وسط تصعيد عسكري وأمني ينذر بتداعيات خطيرة على أمن الإقليم واستقراره.
الحديث الذي تناول ضرورة احتواء ما يجري لا يمكن فصله عن المشهد الأوسع: حرب تتخذ أشكالاً متعددة، مباشرة وغير مباشرة، بين واشنطن وتل أبيب في مواجهة طهران وأذرعها في المنطقة. هذا الاشتباك، الذي يتجاوز حدود دولة بعينها، يحمل في طياته مخاطر توسع رقعة النار لتطال دولاً لم تكن طرفاً مباشراً في الصراع. وهنا يبرز الدور الأردني بوصفه صوت العقل الذي يسعى إلى كبح الانفجار الشامل، وإعادة الاعتبار للحلول السياسية في لحظة تغلب عليها لغة القوة.
الأردن يدرك بحكم موقعه الجغرافي والسياسي أن أي تصعيد واسع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى لن يكون حدثاً بعيداً، بل زلزالاً إقليمياً تتأثر به منظومات الأمن والاقتصاد والطاقة وحركة الملاحة، فضلاً عن احتمالات موجات نزوح جديدة واضطرابات داخلية في أكثر من ساحة. من هنا، فإن تحرك جلالة الملك ليس تحركاً تضامنياً أو شكلياً، بل يعكس قراءة استراتيجية عميقة لمآلات الصراع وضرورة العمل المبكر لمنع توسعه.
العلاقات الأردنية – الأمريكية، التي امتدت عبر عقود من الشراكة السياسية والعسكرية والاقتصادية، تمنح عمان هامش تأثير حقيقياً في دوائر القرار في واشنطن. وهذا الاتصال يأتي ليؤكد متانة تلك العلاقة، ويبدد أي تشكيك في قوة الروابط بين البلدين. فالتشاور في لحظات الأزمات الكبرى هو المعيار الحقيقي لعمق العلاقات، وليس البيانات البروتوكولية أو اللقاءات الروتينية.
في المقابل، يحافظ الأردن على توازن دقيق في مقاربته الإقليمية؛ فهو ثابت في مواقفه تجاه قضايا المنطقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وفي الوقت ذاته منفتح على الحوار مع مختلف الأطراف، مدركاً أن الانحياز الأعمى في صراعات كبرى قد يجر المنطقة إلى استقطابات خطيرة. هذه القدرة على الجمع بين الثبات والمرونة هي ما عزز مكانة الأردن كوسيط موثوق وصوت معتدل في بيئة مضطربة.
الرسالة الأهم في هذا الاتصال تكمن في أن الأردن حاضر في قلب المعادلة، وأن قيادته تتحرك على مستوى عالٍ من المسؤولية السياسية لتجنيب المنطقة سيناريوهات كارثية. فحين تتصاعد طبول الحرب بين قوى كبرى وإقليمية، يصبح صوت الحكمة ضرورة لا ترفاً، وتتحول الدبلوماسية إلى خط الدفاع الأول عن الاستقرار.
لذلك، فإن من يتساءل عن دور الأردن في هذه المرحلة، يجد الإجابة في طبيعة هذا التواصل وفي مضمونه. الأردن ليس دولة تنتظر نتائج الصراعات، بل دولة تسعى إلى التأثير في مساراتها، حمايةً لمصالحها الوطنية ودفاعاً عن استقرار الإقليم. وفي زمن تتسارع فيه الأحداث وتتداخل فيه الجبهات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، يثبت الأردن مرة جديدة أن حضوره السياسي يتجاوز حجمه الجغرافي، وأن قيادته تمارس دوراً فاعلاً في محاولة منع المنطقة من الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة لا رابح فيها.

