لندن: محمد الطّورة
في خضم الجدل الذي أثارته منشورات وتسريبات استهدفت صورة الجيش الأردني وقيادته، برز مشهد لافت يستحق التوقف: ردٌّ قوي ومؤثر قدّمه الأستاذ الأعلامي نايف الطّورة من خارج حدود الوطن، تصدّى فيه لمحاولات التشكيك، وقدّم رواية مضادة أعادت توجيه النقاش العام.
هذا الصوت لم يكن جديداً على الأردنيين؛ فقد عرفوه عبر سنوات مدافعاً عن الوطن، يضع إصبعه على مواطن الخلل بجرأة، ويعظّم الإيجابيات، وينتقد السلبيات بمسؤولية وطنية، حتى بات طرحه محل تقدير وقناعة لدى كثيرين على مستوى الدولة بكافة مؤسساتها . وما قام به بالأمس أعاد طرح سؤال أكبر: أين يقف الإعلام الرسمي في مثل هذه اللحظات؟
وفي هذا السياق، يمكن الاستشهاد بما قاله الأستاذ الطّورة على صفحته الخاصة على الفيسبوك، في توصيفه العميق لطبيعة هذه المرحلة:
“الجيش الذي يحرص قائده على استرداد حتى السلاح الأبيض لأحد شهدائه هو جيش عظيم. والأشخاص الذين يحرصون على نشر تسريبات، سواء كانت صحيحة أو مزيفة، تنال من عزيمة جيشها في وقت الحرب أو تشكك في قيادته الوطنية، إنما ينشرون الرسالة التي حرص العدو على إيصالها، من حيث يدرون أو لا يدرون. مخطئ من ظن أن تلك التسريبات هي مجرد اختراق لهاتف مسؤول إسرائيلي، بل هي تسريبات مقصودة يُراد من خلالها الضغط على من قدّم مصلحة وطنه على ما سواها، في امتحان الإرادات وعزيمة القيادة والجيش، الذي يمثل لكل أردني حاضنة الشعب ومبعث عز الوطن وفخاره. فإما أن تكون مع الوطن، أو تكون—من حيث لا تدري—جزءاً من أدوات خصومه. فاختر موقعك وقت الشدة، فالخطأ وقت الحرب والخيانة واحد.”
في معارك الوعي، لا يُقاس الحضور بالموقع الجغرافي، بل بالقدرة على الفعل والتأثير. وما جرى يكشف مفارقة صادمة: مواطن خارج الحدود يتقدم الصفوف مدافعاً عن رواية وطنه، بينما يتأخر الصوت المؤسسي أو يغيب. وهذا ما يجعل القضية أبعد من منشور عابر، لتصبح اختباراً حقيقياً لفاعلية الإعلام الوطني وجاهزيته.
في زمن تتسارع فيه الحروب الإعلامية بوتيرة تفوق أحياناً وقع الرصاص، لم يعد استهداف الدول مقتصراً على حدودها الجغرافية، بل بات يمتد إلى عقول مواطنيها وثقتهم بمؤسساتهم. وفي خضم هذا المشهد، تبرز تساؤلات مشروعة لا يمكن تجاهلها: أين الأذرع الإعلامية الرسمية؟ وأين دور المؤسسات التي خُصصت لها الميزانيات والكوادر لحماية الرواية الوطنية والدفاع عنها؟
لقد شهدنا مؤخراً تداول منشورات وتسريبات تستهدف هيبة الجيش الأردني وقيادته، في وقت يفترض فيه أن تكون الجبهة الداخلية أكثر تماسكا ووعياً. المؤسف أن الرد الرسمي والإعلامي كان غائباً أو خجولاً، تاركاً الساحة مفتوحة أمام الاجتهادات الفردية، التي وإن كانت صادقة في نواياها، إلا أنها لا يمكن أن تحل محل خطاب إعلامي وطني منظم واحترافي—ومع ذلك، فقد نجحت في سد الفراغ بشهادة المتابعين.
أدرك الأستاذ نايف الطورة مبكراً منذ بدايات عمله في مجال الإعلام والصحافة في مطلع تمانينات القرن الماضي إن الدفاع عن الوطن لا يقتصر على من يعمل تحت مظلة مؤسسة رسمية ، بل هو واجب كل مواطن واعٍ. لكنه في المقابل، شدد على أن مسؤولية التصدي المنهجي والمنظم لمثل هذه الحملات تقع أولاً على عاتق الجهات الإعلامية الرسمية وشبه الرسمية، التي يفترض أنها الأقدر على الوصول والتأثير وصياغة الرواية.
فهل يعقل أن تُترك منصات التواصل الاجتماعي لتكون المصدر الوحيد للرد؟ وهل يُعقل أن يواجه المواطن العادي حملات منظمة دون دعم أو توجيه أو حتى توضيح رسمي؟ أين الخطاب الإعلامي الذي يواكب الحدث فوراً، يوضح الحقائق، ويفند الشائعات قبل أن تتجذر؟
إن ما يُنشر من تسريبات—سواء كانت صحيحة أو مضللة—لا يمكن التعامل معه بالصمت. فالصمت في مثل هذه الحالات لا يُفسر حكمة دائماً، بل قد يُفهم ضعفاً أو ارتباكاً، وهو ما تسعى إليه الجهات التي تقف خلف هذه الحملات.
المطلوب اليوم ليس فقط الرد، بل بناء استراتيجية إعلامية استباقية، قادرة على:
- رصد الشائعات وتحليلها فور ظهورها
- تقديم رواية رسمية واضحة وسريعة
- تعزيز ثقة المواطن بمؤسساته
- إشراك النخب والمجتمع في حماية الوعي العام
إن الجيش الأردني، بما يمثله من رمز وطني وتاريخ مشرف لكل أردني غيور، يحتاج إلى من يدافع عنه بنفس القدر الذي يحتاج فيه إلى إعلام يواكب مكانته، ويصون صورته، ويقطع الطريق على كل من يحاول النيل منه.
وفي هذا السياق، تكشف التجربة الأخيرة حقيقة لا يمكن إنكارها: حين يغيب الصوت المؤسسي، يملأ الفراغ صوت وطني صادق قادر على الوصول والتأثير. فقد برز نموذج لخطاب مسؤول، واثق، ومباشر، استطاع عبر أدوات بسيطة أن يواجه الشائعة بالحجة، ويعيد توجيه النقاش العام، ويكسب ثقة المتابعين دون ضجيج أو مبالغة.
هذه الواقعة لا تتعلق بشخص بقدر ما تسلط الضوء على فجوة قائمة: فجوة بين الإمكانات المتاحة للمؤسسات، والقدرة الفعلية على توظيفها في اللحظة المناسبة. وهي دعوة صريحة لإعادة النظر في معايير الفاعلية الإعلامية، والانتقال من الشكل إلى الأثر، ومن البيروقراطية إلى المبادرة، ومن الخطاب التقليدي إلى لغة قادرة على ملامسة وعي الناس والتأثير فيه.
وفي موازاة ذلك، تبرز ضرورة لا تقل أهمية: تمكين الإعلام غير الرسمي، بمختلف أشكاله ومنصاته، من أداء دوره دون عراقيل بيروقراطية أو قيود تُفرغ حضوره من مضمونه. فهذه المنصات، حين تُدار بمسؤولية وطنية، لا تشكّل بديلاً عن الإعلام الرسمي بل رافعة له وسنداً في معركة الوعي. ومن هنا، فإن توجيه أصحاب القرار نحو تسهيل عمل هذه الجهات، وفتح المجال أمامها للتحرك بمرونة وفاعلية، من شأنه أن يعزز الجبهة الإعلامية، ويضاعف القدرة على مواجهة الشائعات والتضليل بخطاب متنوع وقريب من الناس.
يبقى السؤال الذي ينتظر إجابة صريحة وواضحة: أين أذرع الدولة الإعلامية حين يُستهدف الوطن؟ وأين الجاهزية التي يفترض أن تكون حاضرة دون تعقيد أو تأخير، خاصة وأن هذه المؤسسات وُجدت أساساً لمثل هذه اللحظات؟
وفي الختام، ليست القضية حادثة عابرة تُطوى مع الزمن، بل جرس إنذار يستدعي مراجعة جادة لدور الإعلام الوطني وأدواته وآليات حضوره. فالدولة التي تملك الإمكانات مطالبة بأن تملك معها سرعة الفعل ووضوح الرواية وجرأة المبادرة. وما بين صوت فردٍ أثبت قدرة التأثير، ومؤسسات تملك أدوات التأثير، تبقى المسؤولية في تحويل الإمكان إلى فعل، والصمت إلى حضور، وردّ الفعل إلى مبادرة.
إن معركة الوعي لا تنتظر، ومن يتأخر عن خوضها يخسر مساحته فيها. فإما إعلامٌ يواكب الدولة ويعكس قوتها، أو فراغٌ يملؤه الآخرون كما يشاؤون.
أما نحن في موقع العموم نيوز، الصادر من لندن، فننطلق من قناعة راسخة بأن معركة الوعي لا تحتمل الحياد ولا التأخير. وعليه، نلتزم برصد كل ما يستهدف الأردن، أو يمس أي دولة عربية في مؤسساتها ورموزها، والتصدي له بخطاب واعٍ ومسؤول، لا يساوم على الحقيقة ولا يتهاون في الدفاع عنها. كما نأخذ على عاتقنا، انطلاقاً من واجب وطني، تبنّي ونشر كل رأي صادق ومسؤول يعبّر عن هذا الوعي، كما تجلّى في موقف الأستاذ الإعلامي نايف الطّورة، الذي قدّم نموذجاً واضحاً للكلمة المسؤولة في الدفاع عن الوطن وقيادته، بعيداً عن التردد أو المجاملة. فالكلمة حين تستند إلى وعيٍ وطني صادق، تصبح موقفاً، وحين تتحول إلى موقف، تغدو خط الدفاع الأول عن الأوطان.
حمى الله الأردن، قيادتاً وشعباً وجيشاً، وحفظ وعي أبنائه من كل تضليل.

