لندن: محمد الطّورة
في ظل مشهد إعلامي متخم بالسرعة وفقير في العمق، حيث تتكرر الأخبار وتبهت الحقيقة بين سيل من المحتوى المتشابه، يصبح من المشروع أن نسأل: هل فقدنا جزءًا مهمًا من روح الصحافة؟ هذا السؤال تحديدًا هو ما يدفعني اليوم لإعادة نشر هذا المقال الذي كتبته قبل عام، ليس بدافع الحنين، بل بدافع القلق المهني، والتذكير بتجربة صحفية كانت أكثر جرأة، وأكثر قربًا من نبض الناس، وأكثر التزامًا بالحقيقة.
قبل ثورة الإنترنت وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، كانت الصحف الأسبوعية تشكّل نافذة أساسية للأخبار والمعلومات، خصوصًا تلك التي لم تكن الصحف اليومية الرسمية تجرؤ على نشرها. في تلك المرحلة، برزت مجموعة من الصحفيين الذين أسسوا صحفًا أسبوعية اتسمت بهامش من الحرية المسؤولة، بعيدًا عن القيود التقليدية.
وقد شكّلت صحف مثل البلاد، شيحان، المجد، والهلال، اللواء، آخر خبر. علامات فارقة في المشهد الإعلامي الأردني، حيث نجحت في كسب ثقة القارئ من خلال المهنية والاستقلالية، وقدرتها على نقل الخبر بجرأة وموضوعية. ولم تكن هذه الصحف مجرد وسيلة إعلام، بل كانت منصة حقيقية للنقاش العام، تسلط الضوء على القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
العلاقة بين هذه الصحف والدولة لم تكن ثابتة، بل شهدت فترات من التوتر وأخرى من الانفتاح، إلا أن ذلك لم يمنعها من تحقيق حضور واسع واحترام لدى مختلف فئات المجتمع، حتى من أولئك الذين اختلفوا مع ما تنشره. ومع تزايد تأثيرها وانتشارها، سعى عدد من كبار المسؤولين ورجال الأعمال للدخول في شراكات مع بعض هذه الصحف.
ورغم النجاح الذي حققته، انتهى المطاف بعدد من هذه الصحف إلى الإغلاق والخروج من السوق لأسباب متعددة، لا تزال بحاجة إلى توثيق دقيق وشهادات مباشرة من أصحابها، وهو ما نسعى إلى تسليط الضوء عليه في وقت لاحق.
ومن أبرز الأسماء التي أسهمت في هذا المشهد الإعلامي:
نايف الطورة (البلاد)، حسن التل (اللواء)، رياض الحروب (شيحان)، فهد الريماوي (المجد)، أحمد سلامة (الهلال)، إبراهيم سكجها (آخر خبر)، إضافة إلى الصحف الحزبية مثل الرباط والسبيل.
اليوم، وبعد أن غابت هذه التجربة عن الساحة الإعلامية، تبرز الحاجة الملحّة لإعادة إحياء الصحافة الأسبوعية المهنية، لما لها من دور مهم في تعزيز الوعي العام، وإبراز الحقائق، وممارسة النقد المسؤول. لقد كانت صحافة التسعينات نموذجًا يُحتذى به في الجرأة والانحياز للحقيقة، حيث كانت تعظّم الإيجابيات وتنتقد السلبيات بروح مهنية مسؤولة.
إن إعادة فتح المجال من قبل الجهات المختصة أمام صحف أسبوعية قوية ومستقلة لم يعد ترفًا، بل ضرورة لإثراء الحياة العامة، واستعادة التوازن في المشهد الإعلامي.

