أظهرت المملكة العربية السعودية مؤخراً حزماً يتجاوز المألوف منها في ملفات عدة، أبرزها ملف اليمن والسودان والصومال.
العموم نيوز: 11 كانون الثاني 2026- شهد عام 2025، تحوّلاً لافتاً في التوجهات السعودية إزاء العديد من الملفات الإقليمية، كان أبرزها الملف السوري، تلاه ملف الحرب في السودان، والتحركات الإسرائيلية في القرن الأفريقي، وأخيراً اليمن.
ويتجاوز التعاطي السعودي في ملفات السودان والصومال واليمن أيضاً حدود الدور التقليدي، ويذهب بعيداً باتجاه إعادة التموضع، وضبط النفوذ، واستعادة زمام المبادرة في هذه الملفات الساخنة، التي باتت مسارح لتقاطعات إقليمية حادة.
هذا التحول الجذري برزت معه معطيات جديدة، قد تفضي إلى خلق تحالفات جديدة على أنقاض أخرى، كما خلق حالة احتكاك نادرة بين السعودية والإمارات، بالرغم من رصيدهما الحافل بالتحالفات، خصوصاً في الملف اليمني.
اليمن.. التحول اللافت
آخر وأبرز الملفات التي شهدت اختباراً للتوجه السعودي الجديد كان الملف اليمني، حيث اتخذت الرياض، مع نهاية 2025 وبداية عام 2026، خطوة جريئة وغير مسبوقة، قضت خلالها على تمرد مزمن للمجلس الانتقالي الجنوبي على الحكومة اليمنية الشرعية.
واللافت في الأمر هو النقد العلني السعودي للدور الإماراتي في اليمن، حيث اتهمت الرياض أبوظبي في 30 ديسمبر الماضي بالضغط على المجلس الانتقالي للقيام بعمليات عسكرية تهدد الأمن القومي السعودي في حضرموت شرقاً.
وتطور الأمر إلى حد تدخل السعودية عسكرياً في عملية أفضت خلال أقل من أسبوع إلى هزيمة المجلس الانتقالي الجنوبي وحلّه، وإخراج الإمارات كلياً من اليمن، الأمر الذي أثار أزمة سياسية وإعلامية لا تزال قائمة حتى اللحظة.
ونجحت السعودية في استعادة زمام المبادرة في الملف اليمني، وعززت سلطة الحكومة الشرعية بدعم إقليمي وعربي وإسلامي واسع.
حضور في السودان
في السودان، انتقلت السعودية من موقع الوسيط التقليدي إلى لاعب مركزي في إدارة الأزمة، فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، احتضنت جدة مسار التفاوض الأبرز بين الجيش السوداني وقوات “الدعم السريع”، بالشراكة مع الولايات المتحدة، فيما عُرف بـ”منبر جدة”.
ومع استمرار الحرب، حافظت الرياض على ثبات موقفها الداعي إلى وقف النار وحماية المدنيين ورفض تفكك الدولة السودانية، إلا أن موقفها شهد تحولاً بارزاً خلال الأشهر الأخيرة من عام 2025 لصالح الحكومة والجيش السوداني.
وأدانت الرياض جرائم قوات الدعم السريع في السودان، وتبنت مواقف لإدانة تلك الجرائم في أروقة الأمم المتحدة، في حين قالت مصادر إعلامية غربية إن الملف السوداني كان حاضراً على طاولة النقاش بين ولي العهد السعودي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب في نوفمبر الماضي.
كما استقبل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، منتصف ديسمبر الماضي، رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان، وأجرى معه مباحثات ثنائية حول الوضع في السودان، وتلت ذلك زيارات متبادلة وإشادة سودانية بالموقف السعودي.
وتحشد الرياض مواقف إقليمية مساندة لتعزيز موقف الحكومة السودانية، حيث أجرت مباحثات مكثفة مع الجانبين المصري والتركي لتنسيق الموقف إزاء استمرار التصعيد في السودان.
وفي 7 يناير، وصل وزير الخارجية السعودي إلى واشنطن في زيارة رسمية التقى خلالها بوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، وعدد من المشرعين الأمريكيين، وكان ملف السودان أبرز الملفات المطروحة للنقاش.
وتزامنت الزيارة مع زيارة نائب وزير الخارجية السعودي وليد الخريجي إلى بورتسودان، ولقائه يوم 7 يناير برئيس مجلس السيادة السوداني، حيث جدد المسؤول السعودي دعم بلاده لوحدة السودان ومؤسساته الشرعية.
الصومال
مثل اعتراف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بإقليم أرض الصومال دولة مستقلة أواخر ديسمبر الماضي جرس إنذار للسعودية وبقية دول الإقليم، نظراً للأهمية الاستراتيجية للإقليم وخطورة حصول “إسرائيل” على موطئ قدم هناك.
وسريعاً أصدرت الخارجية السعودية في 26 ديسمبر بيان إدانة للاعتراف المتبادل بين ما يسمى جمهورية أرض الصومال غير المعترف بها دولياً و”إسرائيل”، مؤكدة دعمها المطلق لوحدة أراضي الصومال.
وفي 4 يناير الجاري، استقبل وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان نظيره الصومالي عبد السلام عبدي علي، وبحث معه التطورات في الأراضي الصومالية، وأكد دعم الرياض الكامل لوحدة وسيادة الصومال.
وخلال السنوات القليلة الماضية، أعادت الرياض تنشيط علاقتها مع الحكومة الفيدرالية في مقديشو عبر دعم مالي مباشر، واستثمارات، وتنسيق سياسي، في مقابل تحركات إثيوبية وأخرى إسرائيلية أثارت قلق المملكة.
وتبدو المقاربة السعودية إزاء ملفات اليمن والصومال والسودان منسجمة مع المقاربة المصرية والتركية، في وقت تثار فيه مخاوف من تغيير خارطة النفوذ بما يؤثر بشكل مباشر على أمن واستقرار البحر الأحمر وباب المندب.
ثبات الموقف وتغير البيئة
يرى اللواء المتقاعد عبد الله غانم القحطاني، الباحث في الدراسات الاستراتيجية والأمنية، أن الموقف السعودي لم يتغير أو يتحول، سواء الموقف السياسي أو الاستراتيجي.
وأشار اللواء القحطاني في تصريح لـ”الخليج أونلاين”، إلى أن الموقف السياسي والاستراتيجي من الأوضاع في الصومال والسودان والقرن الأفريقي بشكل عام، واليمن وسوريا، ومناطق أخرى كلبنان وليبيا والعراق، مواقف ثابتة، والمتحول هو تغير البيئة الاستراتيجية الإقليمية والدولية.
السياسة السعودية سياسة حكيمة ومدروسة، وتأخذ دائماً في الحسبان المستقبل، ولذلك هي تراقب كل ما يجري وتحاول أن تقوم بدورها الوطني العربي وفي العالم الإسلامي والمجتمع الدولي، من أجل أن تؤثر إيجاباً على مناطق الصراع، لتحويلها من حال الحرب الأهلية واللادولة والانفلات والمليشيات المتصارعة إلى أن تكون دولة أو مكاناً مستقراً تحت علم الدولة.
التحول في مواقف المملكة في هذه المرحلة تجاه قضايا الإقليم هو استجابة للتهديدات الخطيرة المتعاظمة، وللفشل في أماكن بعينها لم تستطع أن تقوم بأي عمل يمنع هذه التهديدات ويحد منها.
صبرت المملكة، وقدمت النصح، وطرحت مشاريع سياسية وتنموية فيما يخص هذه التوترات، ومع ذلك لم تكن النتائج جيدة، فبادرت من خلال علاقاتها الدولية ومكانتها العالمية إلى أن يكون لها تأثير إيجابي لصالح الشعوب. وإذا كان هناك تحول، فهو في الحقيقة يترجم الموقف السعودي القديم المتجدد.
المنطقة بحاجة إلى حكمة في التعامل، وسياسة مدروسة، وبعد نظر، وحوار مع العالم، واستخدام كل الأوراق وكل الوسائل للضغط على كل من يمكن الضغط عليهم للمساعدة أو للانكفاء.
هذا هو ما تقوم به المملكة، ودورها مؤمل بأن يخفف هذه التوترات المختلفة في المنطقة العربية، وأن تعود سيادة الدولة في اليمن والسودان والصومال وغيرها من دول المنطقة.
نحن أمام منعطف تاريخي، والمملكة تسعى بكل ما لديها من جهد، وبالتنسيق مع إخوتها وجيرانها وأشقائها، من أجل مغادرة الماضي إلى المستقبل.
لا يجب السكوت على المليشيات، فهناك دول غضت الطرف عن مليشيات مسلحة مضادة للدولة في السودان واليمن والعراق وسوريا سابقاً ولبنان حالياً وليبيا أيضاً.
المملكة رأيها واضح ومعلن: لا يجب أن يبقى الحال كما هو، ولا بد من غياب الإرهاب والمليشيات لنتفرغ للتنمية، وللعلاقات البينية الجيدة للبناء والتعمير، لا للمناكفات، ولا للحفر من تحت أقدام الآخرين.
هذه السياسة لم يعد لها مكان، ويكفي المنطقة العربية ما عانت على امتداد مئة عام من حروب مع دول أخرى، وحروب داخلية، ومليشيات، وإرهاب، وولاءات، وطائفية، وعنصرية، فهذا لم يعد محتملاً.
أعتقد أن المملكة في هذا الطريق تقدم للمنطقة دورها الذي يجب أن تقوم به، وهي تفعل ذلك، كما تتطلع إلى مستقبل أكبر لها من حيث التنمية والاقتصاد والتأثير والذكاء الاصطناعي ونشر المعرفة وحماية المجتمعات من الفكر الضال.
كل هذه أسلحة، بل حروب تخوضها المملكة من أجل إنسان المنطقة، ولا أعتقد أن المنطقة تستطيع الخروج من الماضي إلا من خلال هذا الجهد السعودي، الذي أتمنى أن يتضافر مع بقية الجهود العربية.

