لندن: كتب المحرر السياسي
هل التحالف مع الولايات المتحدة قدرٌ لا فكاك منه؟
على مدى عقود، روّجت الولايات المتحدة لنفسها بوصفها الضامن الأول للأمن الدولي، والحليف الذي لا يتخلى عن أصدقائه. غير أن التحولات المتسارعة في السياسة الأمريكية، وخصوصًا خلال عهد دونالد ترامب وما بعده، كشفت عن حقيقة مقلقة: المصالح الأمريكية تأتي أولًا، وما عداها قابل للمراجعة أو التخلي.
حين تلوّح واشنطن اليوم باستراتيجية جديدة تدعو فيها حلفاءها إلى تحمّل مسؤولية أمنهم بأنفسهم، فإن السؤال الجوهري لا يكون كيف سيتصرف الحلفاء؟ بل هل ما نشهده هو بداية انسحاب أمريكي تدريجي من التزاماتها التاريخية؟
أمريكا أولًا… والحلفاء أخيرًا
سياسة “أمريكا أولًا” لم تكن مجرد شعار انتخابي، بل تحوّلت إلى عقيدة سياسية. فقد طالبت الولايات المتحدة حلفاءها، سواء في أوروبا أو آسيا أو الشرق الأوسط، بدفع كلفة حمايتهم، وهددت صراحة بالانسحاب من التزامات أمنية إن لم يُستجب لمطالبها. هذا التحول ينسف جوهر فكرة التحالف، التي تقوم على المصالح المتبادلة لا على منطق الإتاوة السياسية.
إن مطالبة الحلفاء بتحمّل أعباء أمنهم ليست في ذاتها مشكلة، لكن الإشكالية تكمن في تسييس الأمن وتحويله إلى ورقة ضغط، تُستخدم متى شاءت واشنطن وتُسحب متى تغيّرت أولوياتها.
هل نحن أمام تخلي أمريكي فعلي؟
الواقع يشير إلى أن الولايات المتحدة لم تعد راغبة في لعب دور “شرطي العالم”. الضغوط الاقتصادية الداخلية، الاستقطاب السياسي، وصعود قوى دولية منافسة، كلها عوامل تدفع واشنطن لإعادة تموضعها. وهذا يعني أن الحلفاء الذين ربطوا أمنهم بالكامل بالموقف الأمريكي قد يجدون أنفسهم في لحظة ما أمام فراغ استراتيجي خطير.
تحالفات جديدة… ضرورة لا ترف
في هذا السياق، يصبح من الطبيعي – بل من الضروري – أن تفكر الدول الحليفة لأمريكا في تنويع خياراتها الاستراتيجية. العالم لم يعد أحادي القطب، والقوى الكبرى اليوم متعددة، ولكل منها مصالح ورغبة في الشراكات.
إن بناء تحالفات جديدة لا يعني العداء لأمريكا، بل يعني تحرير القرار السيادي من الارتهان لطرف واحد. فالدولة التي تضع أمنها في سلة واحدة، تضع مستقبلها كله على المحك.
وماذا عن الدول العربية؟
الدول العربية، التي يرتبط أمن العديد منها بشكل مباشر بالولايات المتحدة، تقف اليوم أمام مفترق طرق. الاعتماد المطلق على الحليف الأمريكي أثبت محدوديته، خاصة عندما تتغير الإدارات وتتبدل الأولويات بين ليلة وضحاها.
السؤال المشروع هو: لماذا لا تتجه هذه الدول إلى شراكات استراتيجية متوازنة مع قوى كبرى أخرى؟ تحالفات تقوم على المصالح الاقتصادية، ونقل التكنولوجيا، والتعاون الأمني المتكافئ، لا على الحماية المشروطة.
تنويع الشركاء لا يُضعف الدولة، بل يقوّي موقعها التفاوضي، ويمنحها هامشًا أوسع للمناورة، ويجعل أمنها نابعًا من قوتها وعلاقاتها المتعددة، لا من ضمانات قابلة للسحب.
هل التحالف مع أمريكا قدر؟
التحالفات ليست أقدارًا مقدسة، بل خيارات سياسية تخضع للمراجعة والتقييم المستمر. وأي تحالف لا يحقق التوازن والمصلحة المتبادلة، يتحول من شراكة إلى تبعية.
في عالم متغير، لا مكان للدول التي تراهن على طرف واحد، ولا مستقبل للأمن القائم على الوعود فقط. الاستقلال الاستراتيجي لا يعني العزلة، بل يعني الشراكة الذكية، والقرار الحر، والقدرة على قول “لا” عندما تقتضي المصلحة الوطنية ذلك.

