لندن: كتب المحرر السياسي
بين بريق المكاسب وثقل التبعات، يُمتحن صدق الانتماء وتنكشف معادن الرجال
حين تختلط الغاية بالوسيلة، ويتماهى المنهج مع الهدف، يختل ميزان الفعل البشري، ويضطرب منطق الانتماء داخل المجتمعات والتنظيمات. فتصبح القيم خاضعة للمصلحة، والمواقف رهينة للظروف، لا للمبادئ. وهنا يظهر بوضوح ذلك النموذج الإنساني المتردد بين المغنم حين يلوح الربح، والمغرم حين تحضر الكلفة والتضحية.
إن المتأمل في واقع الهيئات، سواء كانت سياسية أو نقابية أو جمعوية، يلحظ ظاهرة لافتة: حين تكون الهيئة في موقع قوة وتأثير، يتزاحم الناس على أبوابها، ويُعلن الكثيرون ولاءهم لها، بل ويتسابقون إلى نسب أنفسهم إليها. أما إذا دبّ فيها الضعف، أو ألمّ بها التراجع، فإن الصفوف تتآكل، وتتساقط الانتماءات كما تتساقط أوراق الخريف، ويغدو الحديث عنها ثقيلًا، كأنها لم تكن يومًا مصدر فخر.
غير أن الأخطر من هذا السلوك العام، هو حين يصدر عن أولئك الذين يُفترض أنهم أعمدة التنظيم وأركانه؛ المؤسسون والقيادات التي صنعت مجده في زمن الإقبال. فإذا بهؤلاء، عند أول اختبار حقيقي، ينسحبون في صمت، أو يلوذون بالتواري، وكأنهم لم يكونوا يومًا جزءًا من مسيرته. وهنا تتحول المسألة من مجرد ضعف بشري عابر إلى خلل أخلاقي عميق يمس جوهر الالتزام.
إن القائد، بحكم موقعه، ليس مجرد فاعل ضمن الجماعة، بل هو معيار يُحتذى. فإذا فرّ من المسؤولية، وترك موقعه في لحظة حرجة، فإنه لا يخذل التنظيم فحسب، بل يهدم في نفوس أتباعه معنى الثبات والوفاء. فبأي منطق يُطلب من القاعدة الصمود، إذا كان الرأس قد اختار الانسحاب؟ وأي معنى للقيادة إن كانت مرتبطة بظروف الرخاء دون الشدة؟
وقد يحاول البعض تبرير هذا الانسحاب بخلافات داخلية أو اختلاف في وجهات النظر، غير أن هذا التعليل لا يصمد أمام النقد. فالاختلاف سنة بشرية، بل هو من شروط النضج داخل أي جماعة. وبه تتلاقح الأفكار، ويُهتدى إلى الصواب. أما تحويله إلى ذريعة للانسحاب، فليس إلا تعبيرًا عن ضيق أفق أو ضعف في تحمل المسؤولية. إذ لو كان كل اختلاف سببًا في الانفصال، لما استقرت جماعة، ولا استمر كيان.
إن التاريخ الإنساني، وخاصة في مراحله المفصلية، يقدم نماذج دالة على هذا المعنى. ففي بدايات الدعوات الكبرى، كثيرًا ما يدخل الناس صفوفها في زمن القوة طمعًا أو مسايرة، فإذا ما تعرضت للابتلاء، انكشف الصادق من المدعي، وثبت من كانت غايته المبدأ لا المكسب. فالمحنة، في حقيقتها، ليست نهاية المسار، بل لحظة فرز وتمييز.
وعليه، فإن الانتماء الحقيقي لا يُقاس بلحظات الازدهار، بل يُختبر في أوقات الانكسار. والوفاء لا يظهر في مواسم الحصاد، بل في زمن الزرع والسقي حين تغيب الثمار. أما أولئك الذين يتنقلون بين المواقع بحسب ما تدرّه من مكاسب، فهم أقرب إلى “المستهلكين” منهم إلى “المنتمين”، يستفيدون حين العطاء، ويتوارون حين العناء.
إن الإنسان بين “المغنم والمغرم”، إما أن يختار طريق المبدأ فيثبت، وإما أن ينقاد للمصلحة فيتلوّن. وبين هذين الخيارين تتحدد قيمة الإنسان، ويُقاس صدق انتمائه. فليست العبرة أن تكون في الصف حين يكون ممتلئًا، بل أن تبقى فيه حين يفرّ منه الآخرون. هنا فقط، يتجلى معنى الالتزام، وتُكتب شهادة الانتماء الحقيقي.

