لندن: محمد الطّورة
في لحظات حاسمة تمر بها أي دولة، يبرز الفارق بين من يقرر ويتصرف بعقل الدولة ومن يقرر العمل بردات الفعل وتصفية الحسابات. الأولى تحمي الوطن، والثانية تُهدد استقراره وسمعته في الداخل والخارج.
في الأردن بفضل حنكة قائد الوطن جلالة الملك عبدالله الثاني وخبرة المسؤولين الذين يضعون المصلحة العامة فوق كل اعتبار، تبين أن الحكمة الوطنية ليست رفاهية، بل ضرورة وجودية.
هناك بديهيات في عالم السياسة وإدارة الحكم تقول قرارات الدول يجب أن لا تُدار بردود الأفعال، ولا تُبنى على العناد، ولا تستمر بمنطق تصفية الحسابات أو إثبات الوجود على حساب المصلحة الوطنية.
الدول صاحبة الحكم الرشيد تُدار بعقلٍ بارد، وبصيرةٍ بعيدة، وحكمةٍ تعرف متى تتقدم ومتى تتراجع، ومتى تحاسب ومتى تحتوي. لذلك في لحظات التحوّل الحساسة، يبرز الفارق الجوهري بين عقل الدولة وعقل الصراع.الأول ينظر إلى الصورة الكاملة: سمعة الوطن، تماسك مؤسساته، ثقة مواطنيه، ومكانته الإقليمية والدولية أما الثاني، فينحصر في لحظة غضب، أو حسابات ضيقة، أو رغبة في تسجيل موقف، ولو كان الثمن باهظًا على الدولة نفسها.
في الأردن على مدار سنوات طويلة لا حظت من خلال تجاربي الشخصية وأنخراطي المباشر في بعض القضايا المهمة ، أن الأصوات العاقلة لم تغب داخل مؤسسات الدولة.
بل إن بعض كبار القادة والمسؤولين، ممن خدموا الوطن بإخلاص، بادروا مبكرًا—وقبل غيرهم—إلى تنبيه صاحب القرار، محذرين من مغبة الانزلاق إلى منطق العناد وتصفية الحسابات. فقد كان تحذيرهم واضحًا، النتائج لم تكون لغايات شخصية، بل وطنية. هؤلاء لم يتحدثوا بدافع المعارضة، ولا من باب المناكفة، بل من موقع المسؤولية والخبرة، وإيمانهم بأن قوة الدولة لا تكمن في قدرتها على كسر خصومها، بل في قدرتها على احتواء الأزمات دون أن تنكسر هي. بعكس آخرين كان همهم الأول محاولة لفت الأنظار إليهم لإسبابهم الخاصة التي ليس لها علاقة بمصلحة الوطن والنظام بل في إثبات الوجود.
إن التاريخ، القريب والبعيد، يثبت حقيقة واحدة لا تقبل الجدل أو النقاش، أن كل قرار يُتخذ بعقلية الانتقام، أو العناد، أو استعراض القوة الداخلية، يدفع الوطن ثمنه لاحقًا—سياسيًا، واقتصاديًا، ومعنويًا ،أما القرار الذي يُبنى على الحكمة، حتى وإن بدا صعبًا أو غير شعبي في لحظته، فإنه يحمي الدولة على المدى الطويل.
إن عقل الدولة لا يعني التهاون، ولا التفريط بالهيبة، ولا تعطيل المحاسبة بل يعني محاسبة عادلة لا انتقائية، وقوة تُمارس ضمن القانون لا فوقه، وحزمًا يحفظ الاستقرار بدل أن يزرع الانقسام..
الأردن، بتاريخه ومكانته، لا يحتمل أن تُدار قضاياه المصيرية بعقلية “من ينتصر اليوم”، بل بعقلية “كيف يربح الوطن غدًا”. فالأوطان تُقاس بمن بقي صامدًا، متماسكًا، ومحترمًا في نظر شعبه والعالم.
في نهاية المطاف ، يبقى عقل الدولة أعظم أدوات القوة ودرع الوطن الأمين.كل قرار حكيم، كل خطوة محسوبة، وكل تحذير صادر من خبرة مسؤولة، هي حصن يحمي الوطن من الأخطاء العابرة، ويضمن استمراره وسمعته ومكانته بين الأمم لذلك، فإن من يبادر لخدمة وطنه، عليه أن يسعى لإن يكون التعامل مع كل قضايا الوطن بمنأى عن كل اعتبار شخصي أو نزعة عناد ، وأن يضع دومًا المصلحة العليا للوطن وشعبه في مقدمة أهتماماته وأولوياته.
.

