لندن : محمد الطّورة
هل تتحقق قوة الدولة في قدرتها على القتال، أم في قدرتها على تجنب القتال أصلاً؟
يُعدّ سؤال القوة في الدولة من أكثر الأسئلة إلحاحاً في الفكر السياسي: هل تُقاس قوة الدول بقدرتها على خوض الحروب والانتصار فيها، أم بقدرتها على تجنب الحروب من الأساس؟
هذا السؤال ليس نظرياً فحسب، بل هو جوهر السياسات الدفاعية والاستراتيجيات الوطنية عبر التاريخ.
في المفهوم التقليدي للعلاقات الدولية، خاصة في المدرسة الواقعية، تُعدّ القوة العسكرية حجر الأساس في حماية الدولة. فالجيش يمثل أداة الردع، والضمانة الأساسية ضد أي تهديد خارجي. وقد أثبت التاريخ أن الدول التي تفتقر إلى القدرة الدفاعية تصبح أكثر عرضة للضغوط أو الاعتداءات.
من هذا المنظور، لا يُنظر إلى الجيش بوصفه أداة حرب فحسب، بل كوسيلة لمنع الحرب. فمبدأ “الردع” يقوم على إقناع الخصم بأن تكلفة الاعتداء ستكون أعلى من أي مكسب محتمل. وبالتالي، فإن القدرة على القتال قد تكون في جوهرها وسيلة للحفاظ على السلام.
لكن مع تطور النظام الدولي، برز مفهوم آخر للقوة، يتجاوز السلاح والعتاد. فالقوة قد تكمن في الدبلوماسية الفاعلة، والاقتصاد المتين، والمؤسسات المستقرة، والسمعة الدولية الطيبة.
الدول التي تنجح في بناء علاقات متوازنة، وتعزيز التعاون الإقليمي ، والانخراط في المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة، غالباً ما تقلل من احتمالات الصراع. وهنا تصبح الحكمة السياسية، والقدرة على إدارة الأزمات كما هو الحال بالنسبة للأردن، أدوات قوة لا تقل أهمية عن القوة العسكرية.
لقد أظهرت تجارب بعض الدول غير المسلحة، مثل أيسلندا والفاتيكان، أن الأمن يمكن أن يتحقق عبر بدائل متعددة، كالدبلوماسية، والتحالفات، والحياد السياسي. صحيح أن هذه النماذج لا تصلح لكل الدول، لكنها تؤكد أن مفهوم القوة ليس أحادي البعد.
الحقيقة أن القدرة على القتال والقدرة على تجنب القتال ليستا نقيضين بالضرورة، بل قد يكونان مكملين لبعضهما. فالدولة القوية هي التي تمتلك من الوسائل ما يردع الخصوم، لكنها في الوقت ذاته تفضّل الحلول السلمية، وتُحسن إدارة خلافاتها دون الانزلاق إلى صراع.
إن الحرب، حتى حين تُكسب أرضاً أو نفوذاً، تترك خلفها كلفة بشرية واقتصادية وأخلاقية هائلة. أما السلام، إذا تحقق بوعي واستعداد، فيبني استقراراً طويل الأمد ويعزز التنمية والازدهار.
في عالم اليوم، لم تعد التهديدات عسكرية بحتة. فهناك تحديات اقتصادية، وأمن سيبراني، وأزمات مناخية، وصراعات إعلامية. لذلك أصبحت قوة الدولة تُقاس بمرونتها، وبقدرتها على حماية مجتمعها من مختلف أشكال المخاطر، لا من الغزو العسكري فقط.
قدرة الدولة على تجنب القتال عبر بناء شبكة مصالح مشتركة مع الآخرين، وعبر الاستثمار في الإنسان والتعليم والاقتصاد، قد تكون شكلاً أعمق من أشكال القوة. فهي قوة تبني ولا تهدم، وتُحصّن الداخل قبل أن تلوّح بالخارج.
إذن، هل تتحقق قوة الدولة في قدرتها على القتال أم في قدرتها على تجنب القتال؟
ربما الإجابة الأصدق هي أن القوة الحقيقية تكمن في القدرة على الاختيار: أن تكون الدولة قادرة على الدفاع عن نفسها إن اضطرت، لكنها تملك من الحكمة والرؤية ما يجعل الحرب آخر الخيارات لا أولها.
فالقوة ليست في إشعال المعارك، بل في منعها. وليست في استعراض السلاح، بل في صون الكرامة الوطنية عبر السلام العادل. وعندما تنجح الدولة في تحقيق الأمن دون أن تخوض حرباً، فإنها تكون قد بلغت أرقى درجات القوة السياسية والحضارية.

