لندن: محمد الطّورة
نداء يا عرب ….هل تعلّمنا من دروس الماضي؟ وأين اتفاقية الدفاع العربي المشترك اليوم؟
في كل مرة تهتز فيها سماء المنطقة بصواريخ أو طائرات مسيّرة، يعود صوتٌ قديم يتردد في الوجدان العربي: أين نحن؟ وأين ذلك الوعد الذي حملته اتفاقيات الوحدة والتضامن؟ ليس هذا السؤال وليد اللحظة، بل هو صدى تاريخ طويل من الأزمات التي مرّت بها الأمة، من حرب الخليج الثانية إلى غزو العراق 2003، حيث تكررت المشاهد واختلفت التفاصيل، لكن النتيجة بقيت واحدة: غياب الفعل العربي المشترك بالقدر الذي كان يُؤمَل.
حين وُقِّعت اتفاقية الدفاع العربي المشترك عام 1950 تحت مظلة جامعة الدول العربية، لم تكن مجرد وثيقة سياسية عابرة، بل كانت تعبيراً صادقاً عن حلم كبير، حلم أن تصبح الأمة العربية كياناً واحداً في مواجهة الأخطار. نصّت الاتفاقية بوضوح على أن أي اعتداء على دولة عربية هو اعتداء على جميع الدول، وأن الرد يجب أن يكون جماعياً، بما في ذلك استخدام القوة المسلحة إن لزم الأمر. كان ذلك النص يحمل في طياته وعداً بالحماية، ورسالة ردع لأي تهديد محتمل.
غير أن المسافة بين النص والواقع بدت، مع مرور الزمن، أوسع مما كان يُتصور. فالتاريخ لم يكن كريماً في تقديم نماذج ناجحة لتفعيل هذا المبدأ. في اللحظات المفصلية، لم يتجسد “الدفاع المشترك” كما كُتب، بل ظهر التباين، وتقدمت الحسابات السياسية الضيقة على حساب الرؤية الجماعية. وهنا يتسلل السؤال الأكثر إلحاحاً: هل كانت المشكلة في الاتفاقية نفسها، أم في الإرادة التي يفترض أن تُحييها؟
إن استحضار دروس الماضي لا ينبغي أن يكون مجرد تمرين في التذكّر، بل محاولة لفهم ما لم يحدث. ففي الأزمات الكبرى، لم يكن النقص في النصوص أو المواثيق، بل في القدرة على تحويلها إلى فعل. وهذا ما يجعل الواقع الحالي، بما يحمله من تهديدات تطال دولاً عربية مثل الأردن ودول الخليج، اختباراً جديداً لمدى جدية الحديث عن الأمن العربي المشترك. فالقصف لا يميز بين حدود سياسية بقدر ما يكشف هشاشة المنظومات الجماعية حين تغيب الإرادة.
ربما لم تعد المشكلة في السؤال التقليدي: “أين اتفاقية الدفاع العربي المشترك؟” لأنها، ببساطة، ما زالت موجودة كنص. لكن السؤال الأعمق هو: أين القرار الذي يمنحها الحياة؟ فالاتفاقيات، مهما بلغت قوتها القانونية، تبقى حبراً على ورق إن لم تسندها إرادة سياسية حقيقية.
بين الحلم الذي وُلد في منتصف القرن الماضي، والواقع الذي نعيشه اليوم، تقف فجوة لا تُقاس بالسنوات فقط، بل بمدى القدرة على التعلم من الأخطاء. فهل تعلّمنا فعلاً من دروس الماضي؟ أم أننا ما زلنا ندور في ذات الحلقة، ننتظر كل مرة أزمة جديدة لتعيد طرح السؤال نفسه، دون أن نقترب من الإجابة؟

