لندن: محمد الطّورة
في عالمٍ تتسارع فيه الأحداث وتتشابك فيه المصالح، تقف المملكة الأردنية الهاشمية نموذجًا للدولة التي اختارت طريق الحكمة والعقلانية في إدارة شؤونها، بعيدًا عن الانجرار إلى أتون حروبٍ عبثية لا تجلب سوى الخراب والدمار. لقد أدركت القيادة الأردنية، بقيادة جلالة الملك، أن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على خوض الحروب، بل بقدرتها على تجنبها حين تكون غير متكافئة أو غير محسوبة النتائج.
إن من البديهي أن ليس من البطولة أن تُدخل وطنك وجيشك في معارك مع قوى عالمية تفوقك عدة وعتادًا، لتكون النتيجة استنزافًا لمقدرات الدولة وتعريض أمنها واستقرارها للخطر. فالحكمة السياسية تقتضي قراءة المشهد بدقة، وتغليب مصلحة الوطن والمواطن على أي اعتبارات عاطفية أو اندفاعية. وهذا النهج هو ما جعل الأردن واحة أمن واستقرار في منطقة تعصف بها الأزمات.
غير أن هذا الخيار العقلاني لا يعني بأي حال من الأحوال أن الأردن دولة ضعيفة أو “حيطة سهلة”، بل على العكس تمامًا، فهو بلدٌ يعرف متى يتجنب المواجهة، ومتى يخوضها بكل قوة وصلابة دفاعًا عن سيادته وكرامته. ولعل ملحمة معركة الكرامة الخالدة خير شاهد على ذلك، حيث سطّر الجيش العربي الأردني صفحة مشرقة في التاريخ، مؤكدًا أن الدفاع عن الأرض والعزة الوطنية خطٌ أحمر لا يمكن تجاوزه.
لقد أثبتت هذه المعركة، التي لم يمضِ على ذكراها سوى شهر واحد، أن الأردن حين يُستفز أو يُعتدى عليه، يكون حاضرًا بكل إمكاناته، موحد الصف، صلب الإرادة، لا يهاب المواجهة مهما كانت التحديات. فهي رسالة واضحة بأن السلام الذي ينتهجه الأردن ليس ضعفًا، بل خيار قوة، وأن ضبط النفس لا يعني العجز، بل يعكس ثقة بالنفس وقدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب.
إن السياسة الأردنية تقوم على مبدأ التوازن بين الحكمة والقوة، بين تجنب الصراعات غير المجدية والاستعداد الكامل للدفاع عن الوطن عند الضرورة. وهذا النهج هو ما حفظ للأردن استقراره، وجنّبه ويلات الحروب التي عصفت بدولٍ كثيرة في المنطقة.
وفي النهاية، يمكن القول إن الأردن يحتكم إلى العقل والقدرة قبل أن يدخل في أي صراع، واضعًا نصب عينيه مصلحة الوطن العليا. فليس كل من يخوض الحروب بطلًا، بل البطولة الحقيقية تكمن في حماية الوطن، وصون مقدراته، وضمان مستقبل آمن لأبنائه.

