لندن: محمد الطّورة
لا تُحاكموا الحاضر بخلافات الماضي
كمواطن أردني تايعت من لندن بكل إستغراب وعدم إرتياح حجم الحملات الموجهة والمستفزة ضد أحد الإعلاميين الأردنيين داخل الوطن، وما رافقها من آراء وتعليقات متباينة تجاوز بعضها حدود الاختلاف الطبيعي إلى مساحات من التحريض وإعادة اجترار الماضي بطريقة لا تخدم المصلحة الوطنية. وكان اللافت أن بعض الأصوات تعمدت إعادة نشر مقاطع فيديو وتصريحات قديمة قيلت في مرحلة مختلفة سياسيًا وزمنيًا، مرحلة تجاوزها الزمن، وتجاوزتها الدولة الأردنية بحكمتها، كما تجاوزتها القيادة الهاشمية بعقل الدولة التي تنظر دائمًا إلى المستقبل بعين الاستقرار والاحتواء.
في القضايا الوطنية الكبرى، لا ينبغي أن يكون السؤال: من الذي حقق الإنجاز؟ بل: هل تحقق الهدف الذي يخدم الوطن ويحفظ استقراره ويعزز وحدته؟ فحين يتعلق الأمر بعودة مواطن إلى أرض وطنه، خصوصًا إذا كان في موقع خلاف أو معارضة، فإن نجاح هذه العودة لا يُعد انتصارًا لمؤسسة بعينها، ولا هزيمة لأخرى، بل هو انتصار لفكرة الدولة نفسها؛ الدولة التي تتسع لأبنائها، وتُغلّب الحكمة على الخصومة، والمصلحة العليا على الحسابات الضيقة.
كثيرًا ما تعمل أكثر من جهة على الملف ذاته، وتتحرك مؤسسات متعددة بدافع وطني صادق لإغلاق فجوة أو معالجة أزمة أو إعادة بناء الثقة. وفي مثل هذه الملفات الحساسة، تتداخل الأدوار وتتقاطع الجهود، وقد تبدأ المبادرات من جهة، وتُستكمل عبر أخرى، حتى يصل الأمر في النهاية إلى النجاح المنشود. وهذه طبيعة العمل الوطني الحقيقي، الذي لا يقوم على الفردية ولا على احتكار الفضل، بل على التكامل وتوحيد الجهود.
غير أن ما يؤسف له أحيانًا أن بعض النجاحات الوطنية، بدل أن تتحول إلى مساحة تقدير لكل من ساهم فيها، تتحول بعد تحققها إلى ساحة تنافس خفي، ومحاولات لإثبات الأحقية بالإنجاز، بل وربما إلى حملات تحريض وإساءة ضد الشخص الذي كان محور الجهد، وضد كل من ساهم في تقريب وجهات النظر أو تهيئة طريق العودة. وهنا تظهر المشكلة الحقيقية، لأن الخلل لا يكون في الإنجاز ذاته، بل في طريقة التعامل معه بعد حدوثه.
فالمؤسسات القوية لا تُقاس فقط بقدرتها على الإنجاز، بل أيضًا بقدرتها على إدارة النجاح بنضج ومسؤولية. أما حين يتعامل بعض صغار الموظفين أو محدودي الخبرة مع الإنجاز الوطني بعقلية “من يستحق الصورة” و”لمن يُنسب الفضل”، فإن ذلك يكشف خللًا ثقافيًا وإداريًا يحتاج إلى مراجعة حقيقية. فالعمل في الملفات الوطنية الحساسة يتطلب عقلية دولة، لا عقلية أفراد يبحثون عن مكاسب معنوية أو انتصارات شخصية صغيرة.
إن النجاح الوطني بطبيعته عمل تراكمي تشارك فيه جهات متعددة، وبعض الملفات لا تُحسم بجهد جهة واحدة مهما بلغت إمكاناتها. كما أن الوساطات والعلاقات وبناء الثقة ليست علامات ضعف، بل أدوات تستخدمها الدول الذكية للوصول إلى الحلول بأقل الخسائر وأكثر الحكمة. ومن غير المقبول أن يتحول من ساهم في الحل أو سهّل الوصول إليه إلى هدف للتشكيك أو التقليل أو الإساءة، لأن ذلك يبعث برسائل سلبية لكل من قد يفكر مستقبلاً في لعب دور إيجابي يخدم الوطن.
كما أن المواطن العائد نفسه يجب ألا يشعر بأنه انتقل من خلاف إلى خلاف آخر، أو من أزمة إلى حملات انتقاص وتحريض. فالغاية الحقيقية ليست مجرد إعادته إلى أرض الوطن، بل إعادة دمجه نفسيًا ووطنيًا وإنسانيًا، وإشعاره بأن الوطن أكبر من الحسابات الضيقة والخلافات الصغيرة، وأن الدولة حين تفتح أبوابها لأبنائها فإنها تفعل ذلك بروح الاحتواء لا بروح تسجيل النقاط.
ومن هنا، فإن الحاجة أصبحت ملحة لترسيخ ثقافة العمل المشترك داخل المؤسسات، وتعزيز مفهوم أن النجاح الوطني لا يُختزل في اسم جهة أو شخص، بل يُقاس بما يحققه من استقرار ووحدة وثقة. كما أن ضبط الخطاب الداخلي والإعلامي بات ضرورة، لأن أي سلوك فردي قائم على التحريض أو احتكار الإنجاز لا يسيء فقط للأشخاص، بل يسيء لصورة المؤسسة نفسها ويُضعف هيبتها المهنية.
في النهاية، تبقى المؤسسات العظيمة هي تلك التي تفهم أن الإنجاز الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج، وأن الوطن لا يُبنى بعقلية تسجيل النقاط، بل بعقلية الشراكة والحكمة واتساع الأفق. فحين يعود مواطن إلى وطنه، فإن المنتصر الحقيقي ليس مؤسسة بعينها، بل الوطن نفسه
ففي لحظات التحديات الكبرى، لا تكون أخطر التهديدات تلك القادمة من الخارج فقط، بل أيضًا تلك التي تتسلل إلى الداخل عبر الانقسام والاصطفاف وإثارة الشكوك بين أبناء الوطن الواحد. فالدول لا تُضعفها الاختلافات الطبيعية بقدر ما يُضعفها الانشغال بالخلافات الصغيرة وتحويل النجاحات الوطنية إلى ساحات جدل ومناكفات يستفيد منها كل متربص لا يريد لهذا الوطن الأمن والاستقرار.
ونحن أبناء هذه الدولة، ندرك تمامًا أن مثل هذه المماحكات والسجالات لا يستفيد منها إلا أعداء الوطن والمتربصون به، ممن لا يريدون للأردن الخير ولا الاستقرار. فكل كلمة تحريض، وكل محاولة لإثارة الانقسام أو التشكيك، تفتح أبوابًا يستغلها أصحاب الأجندات السوداء للنيل من وحدتنا وثقتنا بمؤسساتنا ودولتنا.
ومن هنا، فإنها دعوة صادقة من مواطن يحب وطنه وقيادته ومؤسساته، أن نكون جميعًا في صف الأردن، وأن نبتعد عن كل ما يعكر صفوه أو يثير البلبلة داخل صفوفه. فالوطن لا يحتمل رفاهية الانقسام، ولا يحتاج اليوم إلى أصوات تؤجج الخلاف بقدر حاجته إلى عقول حكيمة تدرك حجم التحديات من حولنا.
فنحن في النهاية جميعًا في القارب ذاته؛ إذا نجا نجونا جميعًا، وإذا اختل توازنه — لا سمح الله — فلن ينجو أحد وحده. ولهذا يبقى الرهان الحقيقي دائمًا على وعي الأردنيين، وعلى قدرتهم في تغليب مصلحة الوطن فوق أي خلاف أو حسابات ضيقة.

