كتب: المحرر السياسي
حين تسقط الأخلاق: تأملات على ضوء قضية إبستين
الأخلاق ليست مجموعة تعليمات جامدة نلتزم بها خوفًا من العقاب، بل هي الأساس الذي يمنح الإنسان معناه الحقيقي. فهي التي تضبط العلاقة بين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان والآخرين، وتحفظ كرامته وكرامة من حوله. وعندما يتخلى الإنسان عن قيمه، لا يخسر سلوكًا حسنًا فحسب، بل يخسر جزءًا من إنسانيته، ويضعف السور الداخلي الذي يحميه من السقوط.
الإنسان الأخلاقي لا يُقاس فقط بما يفعله أمام الناس، بل بما يرفض فعله حين لا يراه أحد. الضمير هو المساحة الخاصة التي تحدد إن كان الإنسان سيعامل الآخرين كغايات لهم حقوق وكرامة، أم كوسائل لتحقيق رغباته ومصالحه. وحين يضعف هذا الضمير، تتحول القوة إلى استغلال، ويتحول النفوذ إلى وسيلة للهيمنة، وتصبح الرغبة مبررًا لتجاوز الحدود.
لقد أثارت القضية المرتبطة بـ Jeffrey Epstein نقاشًا عالميًا واسعًا حول العلاقة بين المال والسلطة والأخلاق، وذلك استنادًا إلى ما كُشف في التحقيقات والمحاكم ووسائل الإعلام. وبعيدًا عن التفاصيل القانونية، فإن الدرس الأعمق الذي يمكن استخلاصه هو أن غياب القيم لا يبقى شأنًا فرديًا، بل قد يتحول إلى بيئة تسمح بالاستغلال والصمت والتواطؤ.
حين ينجرف الإنسان خلف المصلحة وحدها، ويبرر لنفسه ما كان يرفضه من قبل، فإنه يضع نفسه في دائرة هشّة. فالخطأ لا يبقى معزولًا، بل قد يتحول إلى نقطة ضعف. ومن يفقد مرجعيته الأخلاقية يصبح أكثر عرضة للضغط، لأن ما يخشاه ليس فقط العقوبة، بل انكشاف سقوطه الداخلي. وهنا تتجلى الفكرة الخطيرة: عندما ينخلع الإنسان من أخلاقه، لا يصبح حرًا أكثر، بل يصبح أضعف وأسهل تأثيرًا.
الأخلاق، في جوهرها، ليست قيدًا على الحرية، بل هي شرط لها. فالشخص الذي يلتزم بقيم واضحة يعيش بقدر أكبر من الاستقلال، لأنه لا يخضع بسهولة لإغراء أو تهديد. أما حين تُقدَّم المصالح على المبادئ، فإن الإنسان قد يجد نفسه جزءًا من شبكة معقدة من العلاقات التي لا يستطيع الخروج منها بسهولة، لأنه فقد الأساس الذي يمنحه قوة الرفض.
إن القضايا التي تكشف اختلال العلاقة بين السلطة والأخلاق تذكّرنا بأن الحضارة لا تُقاس بحجم الثروة أو النفوذ، بل بمدى احترام الإنسان لكرامة غيره. فالإنسانية لا تُختزل في القوة أو الشهرة، بل في القدرة على ضبط الذات واختيار الخير حتى حين يكون الطريق أصعب.
في النهاية، يبقى الضمير هو الحصن الأخير. وبقدر ما يحافظ الإنسان على هذا الحصن، يحافظ على حريته وكرامته. أما إذا انهار من الداخل، فإن أي قوة خارجية لن تعيد إليه إنسانيته. فالأخلاق ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية، لأنها الخط الفاصل بين إنسان يملك نفسه، وإنسان يسهل امتلاكه.

