لندن: محمد الطّورة
أول لقاء في لندن كان كافيًا لأدرك أن بعض الرجال لا يُعرّفون بأنفسهم… بل تُعرّفهم إنسانيتهم.

لم يكن لقائي بالأب نبيل حداد خلال فترة عملي في السفارة الأردنية في لندن لقاءً عابرًا يُطوى في الذاكرة، بل كان لحظة كاشفة، أدركت فيها أن بعض الرجال لا يُقدَّمون بألقابهم، بل بحضورهم الإنساني الذي يسبق كل تعريف.
منذ الوهلة الأولى، يفرض حضوره بهدوء الواثق لا بضجيج الادعاء؛ ابتسامةٌ لا تغيب، ونبرةٌ لا تعرف القسوة، وروحٌ تنفتح على الآخر كما تنفتح النوافذ للضوء. هو رجلٌ يشبهنا، في بساطته وصدقه، لكنه يسمو بنا حين يجعل من هذه البساطة منهجًا، ومن الصدق رسالة.
وفي عالمٍ تتكاثر فيه نماذج الانغلاق، حيث تتعالى في بعض الدول أصوات التعصب، وتضيق مساحات القبول بالاختلاف، يقف الأردن استثناءً أخلاقيًا قبل أن يكون استثناءً سياسيًا. هنا، لا يُقاس الإنسان بدينه أو عِرقه، بل بإنسانيته؛ وهنا، لا يُنظر إلى التعدد بوصفه تهديدًا، بل ثراءً يُصان ويُحتفى به.
في كثيرٍ من بقاع العالم، لا تزال العلاقة بين الأديان والأعراق محكومة بتاريخٍ مثقل بالصراعات، أو بحاضرٍ تحكمه الحسابات الضيقة. تُبنى الجدران بدل الجسور، وتُستدعى الهويات الضيقة بدل الهوية الجامعة. أما في الأردن، فالصورة مغايرة؛ نموذجٌ حيٌّ للتآخي، تتجاور فيه المساجد والكنائس، وتلتقي فيه القلوب قبل الأسماء.
والأب نبيل حداد ليس خارج هذا السياق، بل هو أحد أنصع تجلياته. إنه انعكاس صادق لروح هذا الوطن، وتجسيد حيّ لفلسفته القائمة على الاعتدال والاحترام المتبادل. لا يتحدث عن الحوار كترفٍ فكري، بل يمارسه كضرورة إنسانية، ولا يرى في الاختلاف مدعاة للخشية، بل بابًا للفهم الأعمق.
هو رجلٌ يشبه الأردن… بل يختصره. يحمل في ملامحه طمأنينة المكان، وفي كلماته حكمة التجربة، وفي سلوكه اتساع الفكرة. ولعل هذا ما جعله يحظى بتقديرٍ واسع يبدأ من الملك عبدالله الثاني بن الحسين والأسرة الهاشمية، ويمتد ليشمل مختلف أطياف الشعب الأردني، الذين يرون فيه صوتًا يعبر عنهم، وعن أجمل ما فيهم.
في زمنٍ تتنازع فيه الهويات، ويُساء فيه فهم الدين، ينهض الأب نبيل حداد نموذجًا لما يجب أن يكون عليه الإنسان حين ينتصر لقيمه الكبرى: إنسانٌ يرى في الآخر شريكًا لا خصمًا، وفي التنوع نعمة لا نقمة، وفي الوطن مساحةً تتسع للجميع.
ليس الأب نبيل حداد مجرد اسم يُذكر، بل معنى يُعاش… صورة وطنٍ لا يعرف إلا الاتساع، ولا يؤمن إلا بالإنسان.




