لندن: محمد الطّورة
سواء صحّت الصورة أم لا… فالعبرة في الرسالة لا في الواقعة
في مشهدٍ طغت عليه مظاهر البذخ واتساع المائدة بحضورٍ رسمي لافت، وجدتُ نفسي أمام صورةٍ عصيّةٍ على التجاهل، تستفز القلم قبل أن تستفز الرأي. لم يكن المشهد عابرًا، ولا قابلًا لأن يُقرأ بمعزلٍ عن سياقه العام، بل جاء محمّلًا بدلالاتٍ تتجاوز حدود المناسبة لتلامس حساسية اللحظة التي تعيشها البلاد.
ومن هنا، لم يكن بالإمكان لجم هذا العتب الذي يتجه—بدافع الحرص والمسؤولية—نحو جميع الأطراف التي أسهمت في صناعة هذا المشهد، إذ بدا وكأنه يفتقر إلى الحد الأدنى من مواءمة السلوك العام مع مقتضيات المرحلة.
ففي أزمنةٍ تستدعي ترشيد الخطاب قبل ترشيد الإنفاق، وتفرض قدرًا عاليًا من الاتزان في الرسائل المعلنة والمضمَرة، يصبح من الضروري أن يُعاد النظر لا في الفعل ذاته فحسب، بل في رمزيته وما يعكسه من فجوةٍ محتملة بين ما يُطلب من الناس، وما يُقدَّم لهم كنموذجٍ في العلن.
في مشهدٍ قد يبدو للبعض اعتياديًا، لكنه يثير في النفس كثيرًا من التساؤلات، انتشرت صورة لوليمة تجمع عددًا من الشخصيات في بلد عربي . وبقدر ما نحمل في وجداننا تقديرًا عميقًا لقيم الكرم والجود التي عُرف بها أهل هذا البلد، والتي لم تكن يومًا موضع شك أو استغراب، فإن ما يستوقفنا اليوم ليس الكرم بحد ذاته، بل توقيته وسياقه وطريقة إظهاره.
نعم، “نِعم المعزّب ونِعم الضيوف”، فالعربي بطبعه كريم، وهذه الصفة متجذّرة في ثقافته وهويته. لكن، هل كل ما يُفعل يجب أن يُعرض؟ وهل كل مناسبة تصلح لأن تُنشر وتُقدَّم للرأي العام، خصوصًا في ظل ظروف اقتصادية ضاغطة يمر بها الناس؟
ما يثير الاستهجان حقًا، ليس اجتماع هذه الشخصيات حول مائدة، بل أن يتم تصوير هذه الوليمة بهذا البذخ، ونشرها وكأنها مشهد عادي، في وقت يُطلب فيه من المواطن شدّ الأحزمة، والتقشف، وتحمل أعباء متزايدة. هنا تحديدًا، تتولد فجوة شعورية بين ما يُقال للناس، وما يرونه بأعينهم.
إن الرسائل غير المباشرة التي تُبث عبر مثل هذه الصور قد تكون أشد وقعًا من أي خطاب رسمي. فحين يرى المواطن هذه المظاهر، قد يشعر بأن هناك ازدواجية في المعايير: دعوات للتقشف من جهة، ومشاهد وفرة واستعراض من جهة أخرى. وهذا ما يضعف الثقة، ويخلق حالة من الاحتقان الصامت.
لسنا ضد الكرم، ولا ضد اللقاءات الاجتماعية، ولا حتى ضد الولائم بحد ذاتها، لكننا ضد غياب الحس العام، وضد عدم تقدير الظرف الذي يعيشه الناس. فالمسؤولية اليوم ليست فقط في اتخاذ القرار، بل في إدراك أثر الصورة والكلمة على الشارع.
ومن هنا، لا بد من التوقف عند بعض النقاط:
أولًا، على الشخصيات العامة أن تدرك أن كل تصرف، مهما بدا بسيطًا، قد يُفسَّر ويُقرأ في سياق أوسع، خصوصًا في أوقات الأزمات.
ثانيًا، ليس من الحكمة إظهار مظاهر البذخ في العلن، بينما يُطلب من المواطن التقشف؛ فالتوازن في الرسائل ضرورة لا رفاهية.
ثالثًا، الإعلام—سواء كان رسميًا أو عبر وسائل التواصل—عليه أن يتحلى بالمسؤولية في اختيار ما يُنشر، فليس كل ما يُوثَّق يجب أن يُشارك.
رابعًا، الأجدر في مثل هذه الظروف هو إبراز نماذج التكافل، ومبادرات دعم الفئات المتضررة، بدلًا من صور قد تُفسَّر على أنها استعراض أو انفصال عن الواقع.
وأخيرًا، إن الحفاظ على ثقة الناس لا يتحقق بالشعارات، بل بالانسجام بين القول والفعل. فالمواطن اليوم أكثر وعيًا، وأكثر حساسية تجاه أي تناقض، وأقل تقبّلًا للمظاهر التي لا تعكس واقعه.
الكرم قيمة نبيلة، نعم، لكن الحكمة في ممارسته وإظهاره لا تقل نبلاً عنه. وفي زمن الشدّة، تكون البساطة والتواضع أقرب إلى قلوب الناس، وأكثر تعبيرًا عن روح المسؤولية الحقيقية. أخيراً سامحونا… فالهدف نبيل لمصلحة الجميع.

