لندن: كتب المحرر السياسي
حين تتجاوز الأدوار حدودها ويسود التنافس بين مؤسسات الدولة “ويعمل كل طرف بعكس الآخر… تضيع الوجهة.”
تقوم الدول المستقرة على منظومةٍ متكاملة من المؤسسات، لكلٍّ منها دورها الذي يكمّل الآخر، في صورةٍ أشبه ببناءٍ متماسكٍ تتوزع فيه المسؤوليات بدقة. وفي هذا التوزيع تكمن قوة الدولة، إذ يضمن وضوح الأدوار حسن الأداء، ويمنع التضارب الذي قد يُربك المسار العام.
غير أنّ بعض التحديات لا تأتي دائمًا من الخارج، بل قد تنشأ بهدوء من الداخل، حين تبدأ بعض الأدوار في التمدد خارج نطاقها الطبيعي. وقد لا يكون ذلك بدافعٍ مقصود، بل نتيجة اجتهادٍ زائد أو شعورٍ بضرورة التدخل، إلا أن النتيجة في الحالتين واحدة: اختلالٌ تدريجي في التوازن.
فحين تتداخل المسؤوليات، يصبح من الصعب تحديد حدود كل جهة، وتفقد القرارات وضوحها، وقد تتباطأ عجلة العمل بدل أن تتسارع. كما قد يشعر المتابع أن الصورة لم تعد على بساطتها المعتادة، وأن ثمة أمورًا تحتاج إلى إعادة ترتيب، لا نقدًا بقدر ما هو حرصٌ على سلامة البناء.
والأهم من ذلك أن هذا التداخل، إذا استمر، قد ينعكس على ثقة الناس، إذ إن وضوح الأدوار يمنح الطمأنينة، بينما يثير غموضها التساؤلات. فالمواطن بطبيعته يميل إلى نظامٍ يعرف فيه من المسؤول عن ماذا، وكيف تُدار الأمور ضمن إطارٍ منسجم.
ولا يعني هذا أن تُقيَّد الجهود أو تُحاصر المبادرات، بل المقصود أن تسير كل مؤسسة في مجالها الذي خُصص لها، لأن التكامل لا يتحقق بالتداخل، بل بالانسجام. فالقوة الحقيقية لا تظهر في تعدد الأدوار داخل الجهة الواحدة، بل في قدرة كل جهة على أداء دورها بإتقان ضمن منظومة واضحة.
إن المحافظة على هذا التوازن ليست مهمة جهة بعينها، بل مسؤولية مشتركة، تتطلب وعيًا دائمًا بأهمية الحدود المؤسسية، وحرصًا على عدم تجاوزها مهما كانت الدوافع. فالدول التي تحسن توزيع أدوارها، تحسن كذلك بناء مستقبلها.
وفي النهاية، يبقى الإصلاح أحيانًا في أبسط صوره: أن يعود كل شيء إلى مكانه الصحيح. فحين تستقيم الأدوار، يستقيم معها المسار، ويصبح الاستقرار نتيجة طبيعية لا تحتاج إلى جهدٍ إضافي.
أرجو أن تكون الرسالة قد وصلت إلى وجهتها وتم “أجراء اللازم”

