لندن: محمد الطّورة
حين تصبح المساءلة قاعدة لا استثناء، تبدأ المجتمعات فعليًا في ترسيخ دولة المؤسسات بعيدًا عن الحصانات غير المعلنة.
في مثل هذه اللحظة التاريخية، حين أعلنت الشرطة البريطانية عن اعتقال أندرو ماونتباتن-وندسور، الأمير السابق وشقيق ملك بريطانيا تشارلز الثالث، يشتعل الجدل ويتسع النقاش حول مفاهيم العدالة وسيادة القانون في المجتمعات الحديثة، ومدى استعداد هذه المجتمعات لمساءلة أي شخص مهما علا شأنه أو اتسعت سلطته.
في 19 فبراير 2026، جاءت الشرطة إلى ساندرينغهام واعتقلت أندرو في صباح يوم عيد ميلاده السادس والستين على خلفية الاشتباه في ارتكابه “سوء سلوك أثناء تأدية المنصب العام” خلال عمله كمبعوث بريطاني للتجارة، بعد نشر ملفات وأدلة جديدة مرتبطة بعلاقاته مع رجل المال الأميركي المدان جيفري إبستين.
هذا الحدث ليس مجرد جزء آخر من تاريخ العائلة المالكة البريطانية، بل يشكل لحظة فارقة في طريقة تعامل المجتمع البريطاني — وربما المجتمعات الديمقراطية المتقدمة بشكل عام — مع فكرة المساءلة القانونية المتساوية أمام القانون. ففي السابق، ارتبطت النخب الحاكمة في كثير من البلدان بهالة من الحصانة أو الامتياز، حتى وإن تورط أفراد منها في شبهات خطيرة. أما اليوم، فالمشهد يبدو مختلفًا.
قبل ساعات من اعتقال أندرو، شدّد رئيس الوزراء البريطاني على أن “لا أحد فوق القانون”، كرسالة سياسية واضحة تُكرّس مبدأ العدالة المتساوية. كما أعرب الملك تشارلز بنفسه عن دعم العائلة المالكة لتعاون كامل مع السلطات القضائية، مؤكدًا أن القانون يجب أن يأخذ مجراه دون تدخل أو تمييز.
هذا التطور يعكس تحولًا هامًا في ثقافة الحكم والمؤسسات. فالعدالة لم تعد مفهومًا نظريًا يُذكر في الكتب والتصريحات الرسمية فحسب، بل أصبح معيارًا عمليًا يُختبر في ساحات التحقيق والملاحقات القضائية، حتى عندما يكون المشتبه به من أعلى مراتب النخبة.
التساؤل الذي يثار اليوم هو: هل أصبح الجو مناسبًا لفتح الباب واسعًا أمام مساءلة جميع الطبقات في جميع دول العالم دون إستثناء؟ الجواب هو نعم من حيث المبدأ، لكن مع ضمانات محددة. فالمجتمعات الديمقراطية الحديثة تتمتع بهياكل قضائية مستقلة نسبيًا، تُمكن من فتح تحقيقات جدية في شبهات الفساد أو استغلال السلطة، سواء كانت متعلقة برجال أو نساء، مسؤولين أو أفرادًا من النخبة، طالما توجد أدلة كافية تدفع قضايا إلى المحاكم.
لكن من المهم أيضًا أن نميز بين فتح تحقيق وعبور مرحلة الاتهام إلى الإدانة. فالقانون يفرض مبدأ البراءة حتى تثبت الإدانة، وحقوق الدفاع مكفولة حتى في القضايا الكبرى التي تشدّ الرأي العام. إجراءات التحقيق الدقيقة واحترام الإجراءات القانونية جزء أساسي من العدالة، وليست مجرد اعتقالات إعلامية أو سياسية.
إن ما يحدث في بريطانيا اليوم قد يكون مؤشرًا على نضج مؤسسي متزايد، يعكس رغبة في تعزيز ثقة المواطنين في القانون والمؤسسات، ويكون بمثابة رد صريح على أي تصور سابق بأن النخب قد تكون بمنأى عن مساءلة قضائية عادلة. هذا لا يعني أننا في نهاية الطريق، بل أنه تقدم في رحلة طويلة نحو تعميق سيادة القانون والمساءلة في المجتمعات الحديثة.

