لندن: محمد الطّورة
هناك ظاهرة غريبة تستحق الوقوف عندها لدراسة أسبابها وهي قيام عدد من الموظفين يقطع صِلتهم مع المؤسسات التي أفنوا فيها زهرة شبابهم. فليس من الوفاء – لا للمكان ولا للسنوات الطويلة التي مضت – أن يغادر الإنسان موقعه ثم يطوي الصفحة تمامًا كأن شيئًا لم يكن. فالمؤسسات التي خدمنا فيها عقودًا من العمر ليست مجرد مبانٍ وإدارات، بل هي جزء من سيرتنا الذاتية وذاكرتنا المهنية، فيها تركنا جهدنا وخبرتنا، ومعها بنينا علاقات إنسانية ومواقف لا تُنسى.
إن الانقطاع التام بعد التقاعد يُفقد الإنسان جزءًا من الامتداد المعنوي الذي يمنحه الشعور بالاستمرارية والجدوى. كما يحرم الأجيال الجديدة من الاستفادة من خبراته وتجربته، ويحرم هو نفسه من متعة العودة إلى مكان شهد نجاحاته وتحدياته، ومن دفء اللقاء بمن كانوا يومًا «أفراد العائلة المهنية».
لذلك، فإن أبسط أشكال الوفاء هو أن يبقى المتقاعد على صلة – ولو بخيط رفيع – بتلك المؤسسات التي شكّلت جزءًا من رحلته. زيارة بين الحين والآخر، اتصال ودّي، تهنئة بمناسبة، أو مشاركة في نشاط؛ كلها طرق تحفظ الود وتُبقي الذاكرة حيّة.
فالوفاء للمكان هو في النهاية وفاء للذات، ولرحلة العمر التي يستحق كل فصل منه.
من وجهة نظري لا يُعدّ ترك العمل نهاية للعلاقة التي تربط الموظّف بمكان عمله السابق، بل قد يكون بداية لمرحلة جديدة تتّسم بالنضج والدعم المتبادل والذكريات المشتركة. فالمؤسسة التي يقضي فيها الإنسان سنوات من عمره تصبح في كثير من الأحيان أشبه بـ بيته الثاني، وموظّفوها يتحوّلون إلى عائلة مهنية يجمعها الاحترام والتعاون والمواقف التي يصعب نسيانها.
إنّ الحفاظ على جسور التواصل مع مركز العمل السابق ليس مجرد لفتة اجتماعية، بل هو سلوك يعكس تقدير الإنسان لجزء مهم من رحلته المهنية. فهؤلاء الزملاء كانوا شهودًا على نجاحاته وتحدياته، وأسهموا في تكوين خبرته وشخصيته المهنية. ولذلك، فإن العودة إليهم بين حين وآخر – ولو بزيارة عابرة أو اتصال بسيط – تمنح إحساسًا بالامتنان والاستمرارية، وتعيد للذهن تلك الأيام التي صاغت الكثير من ملامح الحاضر.
كما أن استمرار التواصل يحمل فوائد عملية، إذ يحافظ على شبكة العلاقات المهنية، ويفتح آفاقًا لمشاريع مستقبلية، ويُبقي أبواب التعاون مفتوحة مهما تغيّرت الظروف. فالعالم المهني اليوم يقوم على العلاقات بقدر ما يقوم على المهارات، ومن يحافظ على علاقاته الأصيلة يحافظ على أحد أعمدة النجاح.
من هذا المنطلق فانني شخصياً لا زلت حتى بعد التقاعد أواظب على زيارة السفارة الأردنية في لندن، تلك المؤسسة التي احتضنت سنوات من شبابي وتركت في نفسي أثرًا لا يُنسى. زياراتي المتكررة ليست مجرد حنين للماضي، بل تعبير عن وفاء إنساني ومهني، وهذا اعتراف مني بأن الأماكن التي نكبر فيها، والأشخاص الذين نعمل معهم، يظلون جزءًا من ذاكرتنا وعلاقاتنا مهما تقدّمت بنا الحياة.
ختاماً إن التواصل مع مكان العمل السابق هو في جوهره تواصل مع الذات، مع بداياتها وتطورها، ومع الذين كانوا يومًا شركاء الرحلة. ولذلك، يبقى الحفاظ على تلك الروابط دليلًا على الأصالة، ومصدرًا لدفء إنسان.

