عندما تصبح الوطنية موضع سؤال
ليست كل المعارك التي يخوضها الإنسان في حياته ظاهرة أو صاخبة.
بعضها صامت، ثقيل، ويقع في أكثر المناطق حساسية في النفس: منطقة الانتماء والولاء.
في البداية أرجو ألّا يُفهم من هذا المقال أن ما حصل قد سبّب لي انزعاجًا شخصيًا، فابن الدولة، الحريص على سلامة الوطن وأمنه، يدرك أن ما جرى يندرج ضمن إجراءات مؤسسية مشروعة، تفرضها متطلبات المرحلة واعتبارات المصلحة العامة.
غير أن هذا الفهم لا يلغي حق التساؤل الهادئ، ولا يمنع إبداء أمنية صادقة بأن يكون التروي حاضرًا في بعض اللحظات؛ لا من باب الدفاع عن الذات، بل حرصًا على سمعة الوطن، وعلى صورته التي صاغها رجاله عبر عقود من العمل الصامت والمسؤول.
من أصعب اللحظات في الحياة أن يجد المرء نفسه، بعد عمرٍ طويل من الخدمة والعطاء، جالسًا أمام موقف يُطالَب فيه – ضمنيًا أو صراحة – بأن يثبت وطنيته. لا لأنها موضع شك حقيقي، بل لأن الزمن تبدّل، والمعايير تغيّرت، وأصبحت التجربة العميقة تُختزل في أسئلة مكتوبة، أو مقابلات باردة، أو انطباعات سريعة.
يحدث أحيانًا أن يكون الطرف الآخر شابًا في عمر الأبناء، حسن النية ربما، لكنه محدود التجربة. يدخل الحوار وهو يظن أن ما يدور مجرد دردشة، أو لقاء تعارفي عابر، لا يدرك أنه أمام رجل لم تكن الوطنية لديه شعارًا، بل ممارسة يومية امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، في مؤسسات ودوائر شديدة الحساسية، داخل الوطن وخارجه.
ذلك الرجل لم يكن يومًا باحثًا عن الأضواء، ولم يسعَ لتوثيق كل ما قام به، لأن طبيعة العمل لم تكن تسمح بذلك، ولأن الإيمان بالخدمة الصامتة كان جزءًا من ثقافة المرحلة. التقى برجالات الدولة، وتعامل مع مستويات عليا في مواقع القرار، وكان شاهدًا – وأحيانًا فاعلًا – في ملفات لم تكن تُكتب في الصحف، ولا تُروى في المجالس.
المفارقة المؤلمة لا تكمن في الأسئلة ذاتها، بل في افتراض الحاجة للإثبات.
أن يُختزل تاريخ طويل من الالتزام في صور عابرة أو تقارير ناقصة، أو أن يُعاد فتح ملفات أُنجزت في زمن مختلف، بأدوات تقييم لا تُشبه ذلك الزمن ولا ظروفه.
والأكثر إيلامًا أن يدرك المرء، بهدوء العقل لا بانفعال الغضب، أن المقابلة لا تستهدفه كشخص، بل تتعلق بملفٍ ما، أو قضيةٍ بعينها، كان له فيها دور أدّاه بصدق وإخلاص، دون علمٍ مسبق، ودون تفاصيل كاملة، مكتفيًا آنذاك بثقة الدولة، وبقناعة راسخة بأن خدمة الوطن لا تحتاج إلى تفسير لاحق.
في تلك اللحظة، لا يشعر الإنسان بالهزيمة، بل بشيءٍ أقرب إلى الأسى.
أسى أن تتحول الوطنية من قيمة تُعاش إلى سؤال يُطرح،
ومن مسار حياة إلى خانة تقييم.
ومع ذلك، يبقى الإيمان راسخًا:
أن الأوطان لا تُبنى بالأسئلة وحدها،
ولا تُحفظ بالذاكرة القصيرة،
وأن من خدموا بصمت، سيبقون – وإن لم يُذكروا – جزءًا أصيلًا من حكاية الوطن.

