لندن: محمد الطّورة
ميزان العدالة الناقص
تُعدّ العدالة الوظيفية واحترام القوانين النافذة من الركائز الأساسية لبناء دولة مؤسسات حقيقية، يشعر فيها المواطن بالأمان الوظيفي والانتماء الوطني. إلا أن واقع الحال يشير، للأسف، إلى وجود ممارسات مقلقة في بعض الوزارات والدوائر والمؤسسات الحكومية، تتمثل بمحاولة بعض أصحاب القرار الوقوف في وجه حصول عدد من الموظفين على حقوقهم التي كفلها لهم القانون صراحة.
وغالبًا ما تُسوَّق هذه الممارسات تحت ذريعة «الحفاظ على أموال الدولة»، وهي حجة تبدو في ظاهرها وطنية، لكنها تفقد مصداقيتها حين نلاحظ أنها لا تُستخدم أو تُستحضر عندما يكون الأمر متعلقًا بمصالح أو امتيازات خاصة ببعض المسؤولين أو أصحاب النفوذ. هنا تتحول الحجة من مبدأ عام إلى أداة انتقائية تُستعمل حيثما تشاء السلطة الإدارية وتُهمل حيثما تتعارض مع مصالحها.
إن لهذا السلوك أبعادًا وتأثيرات خطيرة، لعل أولها دفع الموظف المتضرر إلى اللجوء لأروقة المحاكم للمطالبة بحقوقه المشروعة. هذا المسار، وإن كان حقًا قانونيًا، إلا أنه يهدر الوقت والجهد والمال على جميع الأطراف: الموظف، والمؤسسة، والقضاء، فضلًا عن تعطيل سير العمل وإرباك الأداء الإداري.
أما الأثر الأعمق والأخطر، فيكمن في الأثر النفسي والمعنوي على الموظف نفسه، حيث تتولد لديه حالة من النقمة والشعور بالظلم وفقدان الثقة بمؤسسات وطنه، وهو ما ينعكس سلبًا على إنتاجيته، وانتمائه، واستعداده للعطاء. فكيف نطلب من موظف أن يكون مخلصًا لمؤسسة لا تلتزم بحقه، أو أن يدافع عن دولة يشعر أنها لم تنصفه؟
ويزداد الأمر تعقيدًا في بعض المؤسسات التي تعاني من وجود طبقتين من الموظفين من حيث التصنيف الوظيفي أو الامتيازات، حيث تُمنح الحقوق لفئة وتُحجب عن أخرى، رغم تشابه الواجبات أو تقاربها. وأكاد أجزم أن كل من خدم في إحدى هذه الوزارات أو الدوائر يدرك تمامًا عمّن أتحدث، ويفهم المقصود دون حاجة إلى تسمية.
إن معالجة هذه القضية لا تتطلب تشريعات جديدة بقدر ما تحتاج إلى إرادة إدارية صادقة، وتطبيق عادل للقانون دون تمييز، وإدراك حقيقي بأن إنصاف الموظف ليس استنزافًا لأموال الدولة، بل استثمار في استقرارها وسمعتها ومتانة مؤسساتها. فالدولة القوية لا تُبنى على تقييد الحقوق، بل على احترامها.

