لندن: محمد الطّورة
ليس كل دخولٍ اقتحامًا، ولا كل استئذانٍ شرطًا للحقيقة. فثمة أبواب تُفتح من الداخل، لا بمفاتيح السلطة، بل بنداءٍ خفيٍّ يسكن الوعي. هكذا كان دخولي إلى محراب صاحبة الجلالة؛ خطوة لم تسبقها طقوس، ولم تُباركها ألقاب، لكنها وُلدت من يقينٍ بأن للكلمة قدرًا، وللحقيقة حقًّا في أن تُقال.
وحين يُستحضَر لقب صاحبة الجلالة، تتقدّم إلى المخيّلة صورة العرش وما يحمله من رمزية السيادة والاستمرار. غير أن لهذا اللقب وجهًا آخر، لا يُرى بالعين، لكنه يُحَسّ في الوعي، ويُلمس أثره في وجدان الأوطان. إنها الصحافة، التي لم تُتوَّج بذهب، بل بالكلمة، ولم تُحَط بأسوار، بل بالمسؤولية، فاستحقت مكانتها وهيبتها.
دخلتُ هذا المحراب دون استئذانٍ رسمي، ولا بإذنٍ مكتوب، بل بدافعٍ داخلي لا يعرف التراجع، وبإيمانٍ عميق بأن للكلمة حقًّا في أن تُقال، وبأن الحقيقة لا تنتظر أن يُفتح لها الباب. كان الدخول جريئًا، لكنه لم يكن طائشًا، فقد صاحبه وعيٌ بثقل الأمانة، وإدراكٌ بأن من يخطو إلى هذا المقام إنما يضع نفسه موضع السؤال والمساءلة.
وحين نُطلق لقب صاحبة الجلالة، فإن اللفظ لا ينحصر في الملكة التي تجسّد سيادة الدولة ووحدتها، وترعى شؤون الوطن بكونها رمزًا للاستقرار والاستمرارية. فالملكة تخدم مجتمعها من موقعها السيادي، وتمنح الوطن وجهه الرسمي وهيبته الرمزية. وفي المقابل، تقف الصحافة، صاحبة الجلالة الأخرى، في مقامٍ موازٍ في الغاية، مختلف في الوسيلة؛ تؤدي رسالتها عبر الحرف، وتنقل نبض الناس، وتضيء ما قد يُغفل عنه، وتُذكّر بأن الوطن لا يُبنى بالسلطة وحدها، بل بالوعي.
وإذا كانت الملكة تحكم في إطار الدستور، فإن الصحافة تخاطب في فضاء الضمير. وإذا كانت الأولى تحمي الكيان، فإن الثانية تحرس المعنى. كلتاهما تخدم المجتمع، لا من الموقع ذاته، بل من مسؤولية متكاملة، لا تستقيم إحداهما دون الأخرى.
ولعلّ في التجربة الأردنية ما يُجسّد هذا المعنى بصفاءٍ خاص؛ ففي هذا الوطن، لا تقف الهيبة حائلًا دون القرب، ولا تُغلق المكانة أبوابها في وجه الناس. فكما دخلتُ محراب صاحبة الجلالة الصحافة بلا استئذان، ندخل في الأردن بيت صاحبة الجلالة الملكة الملكة رانيا العبدالله دون حواجز، ونلتقيها في الفضاء العام، ونحادثها بلا وسطاء، في مشهدٍ تختصر فيه الإنسانية المسافة بين الرمز والناس.
هنا، لا تُنتقص المكانة من القرب، ولا تُمسّ الهيبة بالبساطة، بل تزداد رسوخًا، لأن العظمة الحقيقية لا تتغذّى على العزلة، بل على الثقة. وهكذا، كما اختارت الصحافة أن تكون في متناول المجتمع، اختارت الملكة أن تكون في قلبه، ليجتمع المعنى في صورتين مختلفتين لهيبةٍ لا تحتاج إلى حواجز كي تُحترم.
لم تكن الصحافة يومًا مجرد ناقلٍ للحدث، بل كانت ذاكرةً للأمة، وشاهدًا على تحوّلاتها، ومرآةً تعكس واقعها بصدقٍ ومسؤولية. بها تتشكّل القناعات، وتتضح الرؤى، ويُمنح الفرد القدرة على الفهم والمشاركة، لا الاكتفاء بالتلقّي.
ومن هنا، لم يكن دخولي محراب صاحبة الجلالة طلبًا لمكانة، بل قبولًا لمحاكمة. فالكلمة، حين تُكتب بصدق، لا تمنح صاحبها سلطة، بل تضعه في مرمى المسؤولية. وتلك، في جوهرها، أعلى مراتب الهيبة.

