لندن: محمد الطّورة
المبادرات الوطنية بين منطق الدولة وهواجس المؤسسات
في منطق الدولة، تُقاس المبادرات بمدى خدمتها للمصلحة العامة، وبما تحقّقه من أثر فعلي يعود بالنفع على الوطن والقيادة. أمّا في منطق بعض المؤسسات، فتُقرأ المبادرات أحيانًا من زاوية مختلفة، تحكمها اعتبارات الاختصاص والسبق وتسجيل الأدوار، قبل النظر إلى النتائج. وبين هذين المنطقين، تتشكّل فجوة دقيقة قد تتحوّل—إن أسيء إدارتها—إلى عائق أمام الإنجاز بدل أن تكون إطارًا لتنظيمه.
فحين تُغلَّب الاعتبارات المؤسسية الضيّقة على منطق الدولة الشامل، تصبح المبادرة موضع تساؤل لا بسبب قصورها، بل بسبب مصدرها، وتتحوّل من فرصة تكامل إلى إشكالية تصنيف. وفي هذا السياق، لا يُختبر نجاح المبادرات بآثارها، بل بمدى توافقها مع الأطر المعتادة، حتى وإن أثبت الواقع حاجته إلى تجاوز الجمود نحو الفعل.
ومن هنا، يبرز التساؤل الجوهري: هل الغاية من المبادرات الوطنية هي الحفاظ على الحدود التنظيمية، أم تحقيق المصلحة العليا للدولة؟ هذا السؤال لا يستهدف جهة بعينها، بقدر ما يسلّط الضوء على ثقافة إدارية تحتاج إلى مراجعة، حين يصبح الإنجاز خارج الإطار مدعاة للريبة، بدل أن يكون دليلًا على حيوية الدولة وقدرتها على التكيّف.
وفي هذا الإطار، من المهم التذكير بأن بعض المبادرات الوطنية لا تولد بالضرورة في العلن، ولا تُدار دائمًا ضمن الأطر التقليدية المعلنة، بل تأتي أحيانًا ثمرة جهد جماعي تقوده قيادات واعية داخل مؤسسات مختلفة، تعمل بهدوء وتكامل، واضعة نجاح المبادرة فوق الاعتبارات الشكلية، وبما ينسجم مع التوجّه العام للدولة وتقدير القيادة العليا. فاختيار العمل بعيدًا عن الأضواء في مثل هذه الحالات لا يكون إقصاءً لأحد، بل وسيلة لضمان النضج والنجاح وتحقيق الهدف الوطني المنشود.
يُفترض أن تقوم المحاسبة المؤسسية على معايير واضحة، وأن تُمارَس بوصفها أداة لضبط الأداء وحماية المصلحة العامة. غير أنّ الواقع يكشف أحيانًا عن انحراف خطير في هذا المفهوم، حين تُبنى المحاسبة على تصوّرات ذهنية ومواقف مسبقة، لا على وقائع مُثبتة أو أخطاء حقيقية.
في بعض الحالات، يُحاسَب أشخاص لا لأنهم أخطأوا، بل لأنهم بادروا. فالمبادرة بحد ذاتها تصبح موضع تشكيك، لا بسبب نتائجها، بل بسبب خروجها عن الإطار الذي اعتادت جهةٌ ما احتكاره أو اعتبار نفسها الأَوْلى بتبنّيه. وهنا يتحوّل الفعل الوطني من إنجاز يُحتفى به إلى “إشكالية” تُفسَّر وفق حسابات غير معلنة.
إن العمل الوطني لا يُفترض أن يُقاس بمن أطلق المبادرة أولًا، ولا بمن يحتكر حق تنفيذها، بل بمدى ما تحقّق من خدمة للوطن والقيادة. ومع ذلك، نجد أن بعض المبادرات—رغم نجاحها الواضح—تُقرأ من زاوية ضيّقة تحكمها اعتبارات السبق والنفوذ، لا من زاوية الأثر والمصلحة العامة.
ويجدر التنويه إلى أن هذه المبادرة جاءت بعد انتظارٍ طويل دون أن يُستكمَل تنفيذها، ما استدعى تحرّكًا وطنيًا عمليًا عبر تعاون مشترك بين جهات رسمية، أسفر عن إنجاز فعلي أنهى حالة التعطّل وحقّق خدمة واضحة للوطن. ولم يكن هذا التحرّك تجاوزًا لدور أحد، بل استجابة لمسؤولية وطنية فرضها الواقع.
الأخطر في هذا السياق أن بعض الجهات لا تنشغل بتقييم موضوعي لما تحقّق، بقدر ما تسعى إلى إعادة تأطير المبادرة بوصفها خروجًا عن “الاختصاص”، في محاولة لتسجيل موقف أو تثبيت صورة أمام صانع القرار، مفادها أنها الجهة الأجدر والأقدر على القيام بهذه المهام. وهنا ينزاح معيار التقييم من خدمة الوطن إلى خدمة الصورة، ومن التكامل المؤسسي إلى منافسة غير صحية.
إن هذا النمط من التفكير لا يثبّط روح المبادرة فحسب، بل يبعث برسالة سلبية مفادها أن الاجتهاد قد يُكافأ بالريبة، وأن الإنجاز قد يتحوّل إلى عبء إذا لم يأتِ عبر القناة المتوقعة. وبهذا تُصنَع بيئة عمل تتغذّى على التحفّظ والانتظار، بدل الثقة والتعاون، وتُكافأ فيها السلبية أكثر من الفعل.
وفي خضم هذا النقاش، تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة توجيه البوصلة المؤسسية نحو ما يجب أن يكون الأصل والثابت: مصلحة الوطن وقيادته فوق كل الاعتبارات، وفوق أي حساسيات أو حسابات جانبية. فالمؤسسات وُجدت لتتكامل، لا لتتنافس على تسجيل الأدوار أو احتكار المبادرات.
إن معالجة الإخفاقات—إن وُجدت—لا تكون بجلد الأشخاص الذين امتلكوا الجرأة على المبادرة، بل بتقدير الجهود التي أثمرت نتائج ملموسة، وبشكر من تحمّل المسؤولية وساهم في إنجاز ما ظلّ مؤجّلًا لسنوات طويلة. فالثناء على المبادرات الناجحة لا يُضعف المؤسسات، بل يعزّز ثقتها بنفسها، ويُشجّع ثقافة الإنجاز بدل ثقافة الانتظار.
وحين تُكافئ المؤسسات المبادرة الصادقة، وتحتفي بالنجاح أينما تحقّق، فإنها لا تُكرّس العدالة فحسب، بل تُرسِل رسالة واضحة مفادها أن الوطن لا يُخدَم بالاصطفاف، بل بالفعل، وأن الولاء الحقيقي يُقاس بما يُنجَز، لا بمن يُسجَّل له الإنجاز.

