لندن: محمد الطّورة
يأتي هذا المقال دون استهداف حكومة بعينها أو تحميل أشخاص بأسمائهم مسؤوليات محددة، بل هو حديث صريح عمّا يجب أن يكون في دولةٍ تقوم على المؤسسية وتحمل أمانة الخدمة العامة. وهو في الوقت ذاته يُقدّر الجهود التي تبذلها الحكومة الحالية، ولا سيما جولاتِها الميدانية وحرصَها على متابعة الواقع عن قرب، وهو نهجٌ إيجابي يُحسب لها ولا يُنكر.
غير أن الجولات، مهما بلغت أهميتها، لا تكتمل قيمتها ما لم تُترجم إلى قرارات نافذة وتعليمات واضحة ملزمة، تصل إلى الموظف في الوزارة، والمؤسسة، والدائرة، وتُنفَّذ دون أعذار، ودون تسويف، ودون مبررات بات المواطن يسمعها حتى فقدت معناها.
مشهد القيادة… ودلالته
في مشهد يتكرر ولا يفقد دلالته، نرى الملك عبدالله الثاني يجوب محافظات الوطن، شمالًا وجنوبًا، شرقًا وغربًا، يتفقد أحوال الناس، ويقف بنفسه على المشاريع، ويستمع مباشرة إلى هموم المواطنين. مشاهد تبعث على الفخر بقيادة قريبة من شعبها، لكنها في الوقت ذاته تفرض سؤالًا وطنيًا مشروعًا:
لماذا يتحمّل الملك ما يفترض أن يكون في صميم عمل السلطة التنفيذية؟
السلطة التنفيذية… والواجب الوظيفي
فالملك، بحكم الدستور والمسؤولية، هو رأس الدولة وقائدها، لا مديرًا تنفيذيًا يتابع التفاصيل اليومية للمشاريع والخدمات. هذه المهام أُنيطت بالحكومات والوزارات والمؤسسات المختلفة بتكليف واضح، أساسه خدمة الوطن وقضاء حوائج المواطنين بكفاءة واقتدار، لا انتظار التوجيه بعد تفاقم الخلل، ولا التحرك بعد أن يسبقهم الملك إلى الميدان.
بين الإنجاز الحقيقي وتبرير التقصير
وإذا كان بعض المسؤولين يعتقدون أنهم يختبئون خلف عبارات من قبيل: «بتوجيهات وأوامر من جلالة الملك تم إنجاز المشروع الفلاني أو العمل الفلاني»، فإنهم واهمون. فمثل هذه التصريحات لا تُعد إنجازًا، بل تحميلًا غير مبرر لجلالة الملك مسؤوليات كان الأجدر بالسلطة التنفيذية أن تتحمّلها بنفسها.
إن إنجاز العمل يجب أن يكون نابعًا من الواجب الوظيفي، لا نتيجة تدخل مباشر من رأس الدولة في كل تفصيل.
حين تصبح الجولات ضرورة
إن كثيرًا من الجولات الملكية ما كانت لتكون ضرورة، لو أُنجزت المشاريع في وقتها، ولو نُفذت الخطط كما أُعلنت، ولو وُضعت مصلحة المواطن في مقدمة الأولويات لا في ذيل التقارير. فحين ينزل الملك بنفسه إلى الميدان، فإن الرسالة واضحة لا تحتمل التأويل:
هناك تقصير، وهناك واجب لم يُؤدَّ كما يجب.
الملك إنسان قبل أن يكون ملكًا
ولا بد من التذكير بحقيقة إنسانية يغفل عنها البعض: الملك إنسان قبل أن يكون ملكًا. له حقه الطبيعي في الراحة، وفي أسرته، وفي شؤونه الخاصة، شأنه شأن أي ربّ أسرة يحمل مسؤوليات جسامًا.
وحين تتكاثر الأعباء على الأب، فإن الأبناء الصالحين يبادرون من تلقاء أنفسهم إلى تحمّل المسؤولية، ويطلبون منه أن يطمئن ويركن إلى بعض الراحة، لأنهم أهلٌ للثقة وقادرون على أداء الواجب.
الوفاء الحقيقي للوطن والقيادة
وهكذا هو حال الوطن؛ فالمسؤولون الكبار هم أبناء هذا الوطن في مواقع القرار، ومن غير المقبول أن يبقى القائد حاضرًا في كل تفصيل، لأن من كُلّفوا بالعمل لم يقوموا بدورهم كما ينبغي. إن الوفاء الحقيقي للملك لا يكون بترديد اسمه في البيانات، ولا بإقحام مقامه في كل إنجاز، بل بالعمل الصامت المتقن، وتحمل المسؤولية، وخدمة المواطن بصدق وإخلاص.
خلاصة القول
الأوطان لا تُدار بالجولات الاستثنائية، بل بالمؤسسات الفاعلة، والقرارات الجريئة، والمساءلة الصادقة. والملك حين ينزل إلى الميدان، لا يفعل ذلك إلا حرصًا على شعبه، لكنه في الوقت ذاته يضع الجميع أمام حقيقة لا تقبل المواربة:
قوموا بواجبكم، ولا تتركوا عبء الدولة على كتفي رجل واحد، فالوطن أمانة، والمسؤولية لا تُفوَّض إلى القائد بل تُؤدّى باسمه.

