لندن: محمد الطّورة
من الجيش إلى العرش…محطات في مسيرة جلالة الملك عبدالله الثاني السياسية والعسكرية ومواقفه من القضايا الإقليمية
في الثلاثين من كانون الثاني، لا يستعيد الأردنيون ذكرى ميلاد الملك عبدالله الثاني ابن الحسين بوصفها مناسبة شخصية، بل كمحطة وطنية تُقرأ فيها سيرة قائدٍ تشكّلت ملامحه في الميدان قبل أن تُصاغ قراراته في أروقة الحكم، رجلٍ بدأ رحلته من الجيش وحمل معه قيمه وانضباطه إلى العرش، فصار الحكم عنده امتدادًا للخدمة لا قطيعةً معها. وُلد جلالة الملك عام 1962 في بيتٍ هاشميٍّ ارتبط اسمه ببناء الدولة الأردنية الحديثة وحمل أمانة الاعتدال في منطقةٍ مثقلة بالتحوّلات، ونشأ في كنف المغفور له الملك الحسين بن طلال، فتشرّب منذ وقتٍ مبكر معنى القيادة بوصفها التزامًا أخلاقيًا ومسؤولية يومية تجاه الناس، لا امتيازًا سلطويًا، وهو ما انعكس لاحقًا في مسيرته التعليمية التي توزّعت بين الأردن ومدارس العالم، فصاغت شخصية تجمع بين الانضباط الأكاديمي والانفتاح الفكري، وإيمانٍ راسخ بأن الدولة القوية تُبنى بالعقل والمؤسسة لا بالشعارات.
ينتمي جلالة الملك إلى السلالة الهاشمية المتصلة بنسب النبي محمد ﷺ، وهو نسب لم يكن يومًا مجرد عنوان تاريخي، بل مسؤولية سياسية وأخلاقية تُرجمت عبر قرنٍ من الدفاع عن قضايا الأمة، وفي مقدّمتها القدس الشريف، حيث تتجلى الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس كعهدٍ تاريخي ثابت لا يخضع للمساومة ولا لتقلبات السياسة. ولم تكن المؤسسة العسكرية في سيرة جلالة الملك محطةً عابرة تسبق الحكم، بل الأساس الذي تشكّلت عليه شخصيته القيادية، ومنه بدأ فعليًا طريقه «من الجيش إلى العرش»، فمنذ تخرّجه في كلية ساند هيرست العسكرية الملكية في بريطانيا، عاد إلى الأردن ضابطًا مؤمنًا بأن الشرف العسكري ممارسة يومية لا رتبة تُعلّق على الكتف، وخدم في وحدات الجيش العربي الأردني متنقّلًا بين تشكيلاته لا بوصفه نجل الملك، بل كضابط ميداني يعيش تفاصيل الخدمة ويشارك زملاءه التدريب والواجب والانضباط. وقد شكّلت خدمته في وحدات القوات الخاصة محطة فارقة في علاقته بالمؤسسة العسكرية، حيث نشأت روابط إنسانية ومهنية متينة مع قادتها وضباطها وأفرادها، علاقات لم تنقطع بعد تولّيه العرش، بل استمرّ في التواصل معهم، محافظًا على معرفة أسمائهم وملامحهم وذكريات الميدان، في تعبيرٍ صادق عن قناعة راسخة بأن من يعرف الجندي يعرف الوطن، ومن يبدأ من الميدان يحكم بعين الواقع لا من برج السلطة. وفي السابع من شباط عام 1999، اعتلى جلالة الملك العرش في لحظة إقليمية بالغة التعقيد، فحمل إرث الحسين، واختار نهج الاستمرارية الواعية لا القطيعة، والإصلاح المتدرّج لا المغامرة، وقاد الأردن وسط حروب الإقليم وصعود الإرهاب وتقلبات الاقتصاد العالمي، محافظًا على استقرار الدولة، وساعيًا إلى تحديث مؤسساتها دون التفريط بثوابتها الوطنية. وظلّت القضية الفلسطينية في صلب خطابه وممارساته السياسية، إذ لم يتعامل معها كملف دبلوماسي، بل كقضية عدالة تاريخية، وخلال الحرب الأخيرة على غزة كان صوته من أكثر الأصوات وضوحًا في المطالبة بوقف العدوان، وحماية المدنيين، وفتح الممرات الإنسانية، مؤكدًا أن السلام لا يُفرض بالقوة، وأن استقرار المنطقة يبدأ من إنصاف الشعب الفلسطيني، وفي هذا السياق رسّخ «اللاءات الثلاث»: لا للتوطين، لا للوطن البديل، لا للتفريط بالقدس، كثوابت وطنية تحمي الأردن وتحفظ القضية. وعلى الصعيد الفكري، لم يكتفِ جلالة الملك بإدارة الدولة، بل قدّم عبر أوراقه النقاشية مشروعًا وطنيًا للحوار، تناول فيه الديمقراطية والمواطنة الفاعلة والحياة الحزبية ودولة القانون، في محاولة جادّة لنقل الإصلاح من حيّز الخطاب إلى حيّز الثقافة والممارسة. أما في السياسة الخارجية، فقد انتهج دبلوماسية التوازن والوضوح، فحافظ على علاقات عربية متينة، لا سيما مع دول الخليج العربي، قائمة على الشراكة والمصير المشترك، وبنى علاقات مع الغرب والولايات المتحدة تُدار بلغة المصالح المتبادلة دون التفريط بالثوابت الوطنية أو الموقف الأخلاقي من قضايا المنطقة. وفي الداخل، تميّزت علاقة جلالة الملك بأبناء شعبه بقربها الإنساني، من خلال زيارات ميدانية ولقاءات مباشرة وإصرار دائم على أن يبقى القرار السياسي متصلًا بالواقع اليومي للمواطن، وجاءت المبادرات الملكية في التعليم والصحة وتمكين الشباب ومكافحة الفقر ترجمةً عملية لرؤية ترى أن الإنسان هو الثروة الحقيقية للدولة. وفي حياته الأسرية، شكّلت شراكته مع الملكة رانيا العبدالله نموذجًا لأسرةٍ ملكية معاصرة قريبة من الناس، منخرطة في قضايا المجتمع، ومؤمنة بدور الأسرة في بناء المستقبل، مع إعداد جيلٍ جديد يتقدّمه سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني. وفي ذكرى ميلاده، لا يُحتفى بالملك عبدالله الثاني بوصفه حاكمًا فحسب، بل باعتباره تجربة دولة وقائدًا صاغته الميادين قبل أن تصنعه السلطة، حيث لم تكن عبارة «من الجيش إلى العرش» توصيفًا لغويًا، بل مسار حياةٍ يفسّر كيف يحكم رجلٌ يعرف جنوده بأسمائهم، ويقود وطنًا بعينٍ ترى الواقع وقلبٍ يدرك معنى المسؤولية.

