لندن: محمد الطّورة
في عالمٍ مثالي، يصل الإنسان إلى الوزارة بعد سنوات من الدراسة، والخبرة، والعمل الجاد، وتراكم الإنجازات.
أما في عالمنا الواقعي، فالقصة – كما يراها الناس – أكثر غموضًا، وأقرب إلى “وصفة سحرية” لا تُدرّس في الجامعات ولا تُكتب في القوانين.
يعتقد البعض أن الطريق إلى الكرسي الوزاري لا يبدأ من قاعة المحاضرات، بل من إتقان فن الخطابة الفضفاضة. خطابٌ طويل، مليء بالكلمات الكبيرة، الخالية من التفاصيل، القابلة للتأويل في كل الاتجاهات. كلمات من نوع: المرحلة المقبلة، التحديات الراهنة، الرؤية الاستراتيجية، مصلحة الوطن. لا أحد يفهم بالضبط ما الذي قيل، لكن الجميع يصفّق.
ثم تأتي الخطوة الثانية: الحضور.
ليس حضور العقل، بل حضور الصورة. صورة هنا مع مسؤول، صورة هناك في مناسبة، صورة ثالثة وأنت تنظر بعيدًا وكأنك تفكّر في مستقبل الأمة. لا أحد يسأل عمّا قيل في اللقاء، فالصورة قالت كل شيء… أو لم تقل شيئًا، وهذا أفضل.
بعد ذلك، لا بد من إتقان اللغة الرمادية.
لا تعارض بوضوح، ولا تؤيد بوضوح. كن دائمًا في المنطقة الآمنة، حيث يمكن لكل طرف أن يفسّر كلامك كما يشاء. فالغموض، في بعض السياقات، ليس ضعفًا… بل مهارة.
ولا تكتمل الوصفة دون عنصر الصبر.
صبرٌ طويل يشبه صبر الصياد، تبتسم، تنتظر، تهنئ، تصافح، وتقول “في الوقت المناسب”. وهذا الوقت المناسب لا يأتي حين تخطط له، بل حين لا تكون مستعدًا له أصلًا.
ويبقى المكوّن السري الذي لا يُكتب في أي وصفة: الحظ.
قد تتوافر كل العناصر السابقة ولا يحدث شيء، وقد يغيب معظمها ويحدث كل شيء فجأة. هنا فقط تدرك أن بعض المسارات لا تُفهم، بل تُروى بعد وقوعها.
لكن، خلف هذه السخرية، حقيقة لا يمكن تجاهلها:
الوزارة ليست مكافأة، ولا لقبًا، ولا صورة. هي عبء ثقيل ومسؤولية عامة. ومن يصل إليها دون استعداد حقيقي، يكتشف سريعًا أن الطريق السهل إلى المنصب… هو الطريق الأصعب بعده.
في النهاية، قد تبدو “الوصفة السحرية” طريقًا مغريًا، مختصرًا، ولامعًا من الخارج، لكنها في الحقيقة ليست سوى حكاية يتداولها الناس حين يعجزون عن فهم مسارات غير واضحة. فالوزارة، مهما بدا الوصول إليها سهلًا في الظاهر، تظل امتحانًا قاسيًا في الجوهر، لا ينجح فيه من حفظ الوصفة، بل من امتلك الرؤية والقدرة على تحمّل المسؤولية.
وأقولها بوضوح لا لبس فيه: كنت أعلم تمامًا أن الطريق نفسه كان متاحًا لي، وأن هذه الوصفة، لو شئت، لأوصلتني أنا أيضًا إلى المنصب الوزاري. لكنني رفضتها. لا زهدًا في المنصب، فالمنصب فتنة لا يُنكرها أحد، بل لأن ثمنه – بهذه الطريقة – كان أفدح مما أستطيع احتماله.
كنت أعلم أن من يتناول هذه الوصفة لا يضل حرًّا، بل يصل مديونًا، مُقيّدًا، قابلًا للابتزاز متى شاؤوا، ومسلوب الإرادة عند أول اختبار. وصفة لا تصنع مسؤولًا، بل تصنع تابعًا.
وقد اخترت، عن وعيٍ كامل، ألا أكون تابعًا. اخترت أن أبقى خارج المنصب، لا خارج نفسي. فالمناصب تزول، والكراسي تتبدّل، أما احترام الذات، إذا سُلب مرة، فلا يُستعاد.
وإن كان لا بدّ من خسارة، فقد فضّلت أن أخسر منصبًا… على أن أخسر نفسي.
ولعل المفارقة الأكبر أن الطريق الذي لا يمر عبر الجهد الحقيقي، غالبًا ما ينتهي بعبء أثقل من المنصب نفسه. فالمناصب لا تصنع القادة، بل تكشفهم، والوقت كفيل بأن يميّز بين من جلس على الكرسي، ومن كان جديرًا به.
لذلك، تبقى “الوصفة السحرية” مجرد حكاية يتداولها الناس، يضحكون منها، وربما يخفون خلف ضحكتهم أمنية صغيرة أو خيبة كبيرة.
أما الواقع، فلا يزال يذكّرنا بأن ما يُبنى بلا أسس، لا يصمد طويلًا… مهما بدا لامعًا في البداية.

