العموم نيوز:20 كانون الثاني2026- خلال الأشهر الماضية، عملت الرياض بجد على تشكيل تحالفات استراتيجية أبرزها الاتفاقية الدفاعية مع باكستان، وتجري حالياً مباحثات لتشكيل تحالف يضم مصر والصومال.
في ظل حالة عدم الاستقرار الأمني والسياسي التي تمر بها المنطقة، تسعى المملكة العربية السعودية لإعادة هندسة المشهد الأمني في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي، في مسعى واضح لمحاصرة تمدد النفوذ الإسرائيلي.
هذا التحرك بلغ مداه مع دفع الرياض باتجاه تشكيل تحالف عسكري ثلاثي يجمعها مع مصر والصومال، للحد من تغوّل “إسرائيل”، خصوصاً بعد اعتراف تل أبيب بما يسمى “أرض الصومال” دولة مستقلة.
يأتي هذا في ظل مساعي الرياض لتعزيز حضورها في الصومال والقرن الأفريقي من خلال دعم الحكومة المركزية في مقديشو، عبر تنسيق رفيع مع القاهرة وأنقرة باعتبارهما دولتين فاعلتين في معادلة أمن البحر الأحمر وباب المندب، في مواجهة أي اختراق إسرائيلي محتمل للمنطقة.
تحالف مرتقب
ويوم الجمعة (16 يناير)، نقلت وكالة “بلومبيرغ” عن مصادرها أن السعودية باتت قريبة من بلورة تحالف عسكري جديد يضم المملكة والصومال ومصر، في إطار رؤية أوسع تهدف إلى حماية الأمن القومي العربي، ومنع فرض وقائع جديدة تخدم مصالح الاحتلال الإسرائيلي على حساب الاستقرار الإقليمي.
وبحسب الوكالة، تنظر الرياض إلى الصومال بوصفه ساحة استراتيجية في معركة النفوذ الإقليمي، خاصة في ظل محاولات “إسرائيل” توسيع حضورها الأمني والاستخباري في القرن الأفريقي، بما يهدد أمن البحر الأحمر وخطوط الملاحة الدولية.
ويرتبط التحالف المزمع، وفق التقديرات، برغبة سعودية واضحة في بناء طوق إقليمي يحد من تغوّل الاحتلال الإسرائيلي، عبر شراكات عسكرية مع دول محورية تمتلك ثقلاً جغرافياً وعسكرياً، وتشارك المملكة المخاوف ذاتها من إعادة تشكيل موازين القوة في المنطقة.
ولدى السعودية ومصر مقاربة متشابهة تجاه المشهد في القرن الأفريقي، وكذلك في السودان، حيث تعتبر الدولتان التحركات الإسرائيلية، والتطورات في على ضفة البحر الأحمر، تهديداً مباشراً للأمن القومي للبلدين.
وسبق أن وقّعت المملكة اتفاقية دفاع مشترك مع باكستان، في الوقت الذي تجري فيه تركيا مفاوضات للانضمام إلى هذه الاتفاقية، التي ستشكل، في حال أقرت، تطوراً مهماً سيعيد تشكيل المشهد العسكري والأمني في المنطقة.
الحضور التركي
وأكدت أنقرة وجود مفاوضات بشأن الانضمام إلى اتفاقية الدفاع المشترك التي وقعتها السعودية مع باكستان، في خطوة من شأنها نقل الاتفاق من مستوى التنسيق إلى شراكة دفاعية إقليمية أكثر شمولاً وتأثيراً.
ويوم الخميس (15 يناير)، كشف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان عن مشاورات تجريها أنقرة مع دول في المنطقة لإنشاء تحالف أمني مشترك، مؤكداً أن الاستقرار في المنطقة يمر عبر إظهار دول المنطقة تعاوناً نوعياً فيما بينها.
كما أكد وزير الإنتاج الدفاعي الباكستاني رضا حياة حراج، يوم الخميس (15 يناير)، أن باكستان والسعودية وتركيا أعدّت مسودة اتفاق دفاعي بعد مفاوضات استمرت نحو عام.
وبالنظر إلى قدرات وإمكانات تركيا، فإن دخولها في تحالف إلى جانب السعودية ذات الثقل السياسي والاقتصادي الكبير، وباكستان النووية، سيشكل محطة فارقة في المشهد الإقليمي، من الممكن أن يعيد رسم قواعد اللعبة، ومن ثم تقزيم مخططات وآمال “إسرائيل” وحلفائها في المنطقة.
والملاحظ أن اتجاه الرياض نحو الدخول في تحالفات إقليمية عسكرية جاء في أعقاب تطورات الأوضاع في حوض البحر الأحمر وخليج عدن، خصوصاً بعد اعتراف “إسرائيل” بـ”أرض الصومال”، والمشهد السوداني الذي يشكل تهديداً للأمن القومي المصري، وأيضاً المساعي الإسرائيلية لإيجاد موضع قدم لها على مقربة من اليمن وباب المندب.
باكستان النووية
التطورات التي عصفت بالمنطقة، خلال العامين المنصرمين، ألقت بظلالها على أجندة الدول وتوجهاتها، وبرز هذا بوضوح على أجندة السعودية، التي تحركت سريعاً من خلال تشكيل تحالف دولي لدعم قيام الدولة الفلسطينية، ثم سارعت لعقد شراكات أمنية وعسكرية، وصولاً إلى إعلان توقيع اتفاقية الدفاع المشترك بشكل رسمي مع باكستان (سبتمبر 2025).
وحينها قال مسؤول سعودي رفيع لوكالة “رويترز” إن هذه الاتفاقية تتويج لمناقشات استمرت سنوات، وإنها ليست رداً على دول أو أحداث محددة، وإنما هي إضفاء طابع مؤسسي على تعاون طويل الأمد وعميق بين البلدين.
وفي ظل ما بعد حرب غزة، يبدو أن السعودية تتجه نحو مقاربة أكثر استقلالية وفاعلية في إدارة أمنها القومي وأمن حلفائها، عبر تحالفات مدروسة لا تستهدف التصعيد بقدر ما تسعى إلى تثبيت معادلات ردع جديدة، تكبح اندفاع الاحتلال الإسرائيلي، وتحفظ توازنات المنطقة الهشة.
ويرجع الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني أحمد الحيلة هذا التحرك السعودي لبناء تحالفات إقليمية جادة، إلى أمرين:
تراجع المرجعيات الدولية كالأمم المتحدة، وتراجع القانون الدولي ناظماً للعلاقات الدولية لحساب القوّة المتفلّتة من القانون والأخلاق، بسبب سلوك الإدارة الأمريكية في فنزويلا، وبشأن جزيرة غرينلاند وإيران حالياً.
الثاني: سلوك إسرائيل في المنطقة العربية، انطلاقاً من فلسطين والإبادة الجماعية في غزة، وسوريا ولبنان، وتطلعها لإقامة “إسرائيل” الكبرى كما جاء على لسان مجرم الحرب بنيامين نتنياهو المطلوب للجنائية الدولية.
ونوّه الحيلة، في تصريح لـ”الخليج أونلاين”، بأن “إسرائيل أخذت خطوات لمحاصرة السعودية جغرافياً، عبر اعترافها بإقليم أرض الصومال الانفصالي وسعيها للتموضع عسكرياً فيه، ما سيمنحها القدرة على التحكّم في باب المندب والبحر الأحمر الذي يحد السعودية من الغرب”.
ولفت إلى أن هذا الأمر يعطي “إسرائيل” أفضلية التدخل في اليمن بما يمثله من عمق استراتيجي للسعودية من الجنوب، فضلاً عن محاولتها إعادة هندسة الوضع في إيران، المشاطئة لسواحل السعودية الشرقية عبر الخليج العربي.
أضاف المحلل السياسي الحيلة قائلاً:
إدراك الرياض لخطورة ما تخطط له “إسرائيل” دفعها لسرعة التدخل عسكرياً في اليمن لمنع انفصال الجنوب، وحماية اليمن من العبث السياسي والأمني عبر دعمها لمجلس القيادة الرئاسي اليمني، ورعايتها للحوار بين قوى جنوب اليمن.
في ذات السياق تأتي اتصالات الرياض مع القاهرة ومقديشو لتشكيل تحالف عسكري جديد، بهدف منع انفصال إقليم أرض الصومال، ومنع “إسرائيل” من التموضع فيه عسكرياً، لمنعها من محاصرة السعودية عبر البحر الأحمر غرباً، وبحر العرب جنوباً.
بالتوازي تجري اتصالات ثلاثية بين السعودية، وتركيا، وباكستان لتشكيل تحالف دفاعي مشترك، يشكّل بنجاحه نواة تحوّل في خارطة قوى الشرق الأوسط، وهيكلاً صلباً لمواجهة التحديات الناتجة عن الأزمة المتفاقمة بين إيران وأمريكا بتحريض إسرائيلي.
تحالفات مهمة
ويرى الحيلة أن التحالفات التي تجري وتشارك فيها السعودية “يمكن أن تحمي المنطقة وتحد من التغوّل الإسرائيلي والجنوح الأمريكي، ومنع تقسيم دول المنطقة، والحيلولة دون الحرب على إيران وتحويل الأزمة إلى مسار سياسي ودبلوماسي”.
ويشير إلى أن هذه التحالفات قد تحمي المنطقة من التداعيات الخطيرة التي يمكن أن تنشأ عن حرب إقليمية بين إيران والولايات المتحدة و”إسرائيل” قد تمتد من الخليج العربي إلى شرق المتوسّط عبر العراق ولبنان.
واختتم حديثه لـ”الخليج أونلاين” بالقول: “التحالف بين دول وازنة ومركزية مثل السعودية، وتركيا، وباكستان أو بين السعودية ومصر يوفّر فرصة تاريخية لانضمام دول أخرى لحماية المنطقة ولحماية الدول ذاتها من جنوح الولايات المتحدة وتطرف إسرائيل اللاهوتي الساعي لإعادة رسم الشرق الأوسط، وفق معايير الاحتلال الإسرائيلي”.
ويعد نجاح السعودية في إنشاء تحالفات مع دول المنطقة حدثاً تاريخياً، ينطلق من فكرة الاعتماد على الذات وعلى الإمكانيات المادية الكبيرة والعسكرية التي تملكها دول المنطقة وخاصة باكستان وتركيا في مجال الصناعات العسكرية والتكنولوجية المنافسة.
أخبار الخليح ونلين

